ليست كل الأعمار التي تنتهي مبكرًا أعمارًا قصيرة في ميزان الأثر، فثمة أناس لا يحتاجون إلى عقود طويلة كي يثبتوا حضورهم، ولا إلى مناصب رفيعة كي تستحق سيرتهم أن تُروى. يكفي أن يعيشوا بجدية، ويعملوا بإخلاص، ويتركوا في حياة الناس والمجتمع ما يجعل غيابهم حاضرًا حتى بعد رحيلهم.
كان والدي، فيصل العراسي، واحدًا من هؤلاء.
رحل وهو في الثالثة والعشرين من عمره، في حادث غرق في البحر، لكن سيرته لم تكن سيرة شاب عابر مرّ بالحياة ثم غادرها. فقد حملت سنواته القليلة من النشاط والعمل والمشاركة الوطنية والاجتماعية ما يستحق التوقف أمامه، وما يجعل استحضار حكايته اليوم أكثر من مجرد استعادة لذكرى عائلية.
في كتاب «وفيات عدن» للدكتور صالح عبد الوهاب السلطان، وردت سيرة والدي بما تحمله من محطات تستحق أن تعرفها الأجيال. فقد شارك في مقاومة الاستعمار البريطاني، وكان ضمن مجموعة متميزة من الشباب القوميين العرب الذين أسهموا في حمل تطلعات التحرر والنهضة. كما نشط في العمل النقابي، وكان من مؤسسي نادي الشعلة في البريقة، إلى جانب اهتمامه بالكتابة الصحفية، إذ كانت له أعمدة ومساهمات في عدد من المجلات والصحف العربية والمحلية.
وعلى الصعيد المهني، عمل في قسم المختبرات بشركة مصفاة عدن، وهي من المؤسسات الاقتصادية المهمة في تاريخ المدينة.
هذه ليست تفاصيل عابرة في سيرة شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين؛ إنها صورة لجيل كان يرى أن الحياة مسؤولية، وأن الانتماء للوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالعمل والمشاركة والمبادرة، كلٌّ من موقعه.
لكن ربما كانت شهادة الناس والمؤسسة على مكانته من أكثر فصول حكايته تأثيرًا.
يوم وفاته، احتشد المشيعون والمعزون منذ ساعات الصباح الباكرة في منزل جدي بكود النمر في البريقة، لتقديم واجب العزاء. وعندما نُقلت جنازته إلى مسجد النور في الشيخ عثمان للصلاة عليه، سار بعض المشيعين خلفها على أقدامهم، غير مبالين بحرارة الجو، إكرامًا له ووفاءً لما عرفوه فيه.
كانت جنازته مهيبة، بحضور يعكس حجم المحبة والتقدير اللذين حظي بهما. ولم يكن ذلك المشهد وحده هو ما بقي شاهدًا على مكانته؛ فقد أعلنت شركة مصفاة عدن الحداد على رحيله، وتوقفت صحيفتها عن الصدور تكريمًا لزميلها الذي غادر الحياة مبكرًا.
ولم يتوقف تقدير زملائه ومؤسسته عند حدود الحداد على رحيله، بل امتد إلى أسرته؛ فقد أهدوني سريرًا خاصًا بالأطفال فور ولادتي. تفصيل قد يبدو بسيطًا لمن يقرأه، لكنه يحمل دلالة إنسانية عميقة: أن المحبة والتقدير اللذين تركهما والدي لم ينتهيا بغيابه، بل امتدا إلى طفلته التي جاءت إلى الدنيا بعد رحيله.
فقد تزوج والدي من أمي، وبعد عشرة أشهر رحل، وكنت لا أزال في بطنها. جئت إلى الحياة ابنته الوحيدة، من دون أن أحظى بفرصة رؤيته أو سماع صوته أو معرفة ملامحه من خلال ذاكرة شخصية تجمعني به. لكنني عرفت أبي من سيرته، ومن حكايات من عرفوه، ومن الشواهد التي تركها في الكتب والصحف وذاكرة الناس.
ولعل هذه واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية قسوة وجمالًا في آن واحد: أن يغيب الأب عن ابنته قبل أن تراه، ثم تظل سيرته حاضرة في حياتها، وتصبح حكايته جزءًا من ذاكرة أبنائها وأحفادها وكل ذريته.
وماذا عن شباب اليوم؟
ليس المقصود من استحضار سيرة والدي أن نقارن جيلًا بجيل مقارنة ظالمة، أو أن نتجاهل ما يواجهه شباب عدن واليمن اليوم من ظروف اقتصادية قاسية، وانسداد في فرص العمل، وتراجع في كثير من مقومات الحياة. فليس من الإنصاف أن نطالب شابًا أغلقت أمامه الأبواب بأن يحقق ما حققه آخرون في ظروف مختلفة.
لكن من الإنصاف أيضًا ألا ندفن قيمة المبادرة والطموح والعمل تحت ركام الظروف، وألا نجعل صعوبة الواقع مبررًا للتخلي عن كل محاولة لصناعة الذات وخدمة المجتمع.
إن سيرة شاب مثل فيصل العراسي، الذي لم يمهله العمر إلا ثلاثًا وعشرين سنة، تضع أمامنا سؤالًا يستحق أن نتأمله: ماذا يمكن للإنسان أن يفعل بما أتيح له من عمر؟ وما الذي يستطيع أن يتركه خلفه، مهما كانت السنوات قليلة؟
لم يكن والدي صاحب عمر طويل، لكنه كان صاحب سيرة متعددة المسارات: نضال وطني، وعمل نقابي، ومساهمة رياضية واجتماعية، وكتابة صحفية، وعمل مهني. وهي محطات لم نصنعها اليوم لتجميل ذكرى راحل، بل وردت في كتاب وثّق سيرته، وشهدت لها مؤسسة عمله ومشيعوه.
إنصاف الراحلين لا يكون بالحزن عليهم وحده، بل بحفظ ما أنجزوه، وتوثيق أسمائهم، وإعادة تقديم سيرهم للأجيال التي لم تعاصرهم. فكم من أشخاص رحلوا، وبقيت أسماؤهم حبيسة ذاكرة أسرهم، وكم من شباب يستحقون أن يعرفوا أن مدينتهم أنجبت نماذج عملت وناضلت وشاركت في صناعة تاريخها.
رحل فيصل العراسي في الثالثة والعشرين، ولم تتح له الحياة أن يرى ابنته، أو أن يكبر معها، أو أن يرافقها في مراحل عمرها. لكنه ترك سيرة لا تتوقف عند حدود رحيله، وذكرى لا تنحصر في جيل واحد.
فالأثر الذي يتركه الإنسان في وطنه وأهله ومجتمعه ليس ملكًا لزمن بعينه، ولا تنتهي صلاحيته بمرور السنوات. قد تحمله ابنته، ثم ينقله أبناؤها إلى أبنائهم، وتظل الأجيال تتعرف إلى صاحب السيرة من خلال ما أنجزه وما تركه.
بعض الناس لا يمنحهم العمر فرصة طويلة، لكنهم يتركون ما يجعل حضورهم ممتدًا بلا نهاية.
وهكذا يبقى الأثر…
* ضمن سلسلة: ويبقى الأثر