> ذكرى فيصل عراسي


اليمن بحاجة إلى دولة مواطنين، لا إلى إعادة تدوير سلطة المشيخة والامتيازات الموروثة

ما الذي يدفعنا، ونحن في عام 2026، إلى تقديم اليمن أمام العالم من بوابة «مشايخ وقبائل»؟ وكيف أصبح من المقبول أن يُختزل بلد عريق، بتاريخه وثقافته وكفاءاته وتنوعه الاجتماعي، في مشهد تتصدره الألقاب والمراتب القبلية الموروثة، حتى داخل قصر الأمم في جنيف، مقر الأمم المتحدة؟

ليست القضية أن القبيلة موجودة في المجتمع اليمني، ولا أن أبناءها لا يحق لهم المشاركة في الشأن العام. القضية أعمق من ذلك بكثير: لماذا ما زلنا نمنح النسب والوجاهة واللقب الموروث وزنًا في التمثيل والمكانة، وكأن قيمة الإنسان تُحدد بولادته لا بعمله وكفاءته وموقفه من حقوق الآخرين؟

أي صورة نقدمها عن اليمن للعالم؟ هل هو وطن لا يجد من يمثله إلا أصحاب الألقاب؟ أين العلماء والأكاديميون والباحثون والأطباء والمهندسون والمثقفون والمبدعون والشباب والنساء والكفاءات التي صنعت وتواصل صناعة الحياة رغم الحرب والانهيار؟ أليس من حق هؤلاء أن يروا أنفسهم في صورة وطنهم، وأن يكون لهم مكان في المحافل التي يُناقش فيها مستقبله؟

وللإنصاف، فإن اللقاء الذي عُقد في 29 أكتوبر 2026 بقصر الأمم كان لإطلاق «ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين»، ونظمه مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF)، بمبادرة يمنية ودعم سويسري. ووفق الإعلان السويسري، جاء الميثاق بعد عامين من المشاورات بين قيادات قبلية من مناطق مختلفة، ويهدف إلى حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والوساطة المحلية وخفض التصعيد.

ولا أحد يعترض على حماية المدنيين أو على أي جهد حقيقي يخفف معاناة اليمنيين. لكن النوايا المعلنة والأهداف الإنسانية لا تمنح أي مبادرة حصانة من النقد، ولا تعفيها من الإجابة عن الأسئلة الأساسية: من اختار المشاركين؟ من منحهم حق التحدث باسم هذا المكوّن أو ذاك؟ وما معايير الاختيار؟ وما حدود التفويض؟ ومن يراقب التنفيذ ويحاسب المخالفين؟

كما أشار الإعلان السويسري إلى أن نحو خمسة آلاف شخصية قبلية أبدت تأييدها للميثاق. لكن التأييد، مهما بلغ عدده، لا يتحول تلقائيًا إلى تفويض شعبي، ولا يمنح أصحابه حق تمثيل اليمنيين جميعًا. فاليمن ليس ملكًا لفئة، ولا حكرًا على مكوّن اجتماعي، ولا يمكن اختزال إرادة شعب كامل في قائمة أسماء أو ألقاب.

وهنا نصل إلى جوهر الاعتراض: هل نريد بناء دولة حديثة، أم نعيد تجميل البنية الاجتماعية التي جعلت بعض الناس أصحاب سلطة بحكم النسب، فيما ظل آخرون مطالبين بالطاعة والبحث عن الحماية والوساطة؟

لسنا في معركة مع القبيلة، ولا مع الأشخاص الذين ينتمون إليها. لكننا في مواجهة صريحة مع كل فكرة تجعل الإنسان سيدًا بالولادة، وتجعل غيره تابعًا بالولادة. مع كل عرف يُستخدم لإخضاع الضعيف، وكل وجاهة تتحول إلى نفوذ بلا مساءلة، وكل سلطة اجتماعية تتصرف وكأنها فوق القانون.

القبيلة مكوّن اجتماعي، وليست دولة. والشيخ ليس حاكمًا على الناس، والوجاهة ليست تفويضًا سياسيًا، والنسب ليس شهادة كفاءة، ولا يحق لأي شخص أن يحتكر تمثيل الآخرين لمجرد أنه ورث لقبًا أو مكانة اجتماعية.

لا نريد يمنًا يُقسّم فيه الناس إلى سادة وأتباع، ولا مجتمعًا تُفتح فيه الأبواب لأصحاب الألقاب وتُغلق أمام أصحاب الكفاءة. نريد دولة يكون فيها المواطن مواطنًا كامل الحقوق، لا تابعًا ينتظر رضا صاحب النفوذ.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لبلد أنهكته الحرب ليس فقط انهيار مؤسساته، بل إعادة إنتاج الأفكار التي تعيق قيام الدولة من الأساس: تقديس المكانة الموروثة، والخضوع للقوة الاجتماعية، وتقديم الولاء على الكفاءة، والتعامل مع الناس باعتبارهم مراتب لا مواطنين متساوين.

ومن يريد حماية المدنيين حقًا، فعليه أن يبدأ من الاعتراف بأن المدني ليس تابعًا لأحد، وأن كرامته وحقوقه لا تتوقف على انتمائه القبلي أو موافقة شيخ أو وجيه. الحماية الحقيقية لا تقوم على استبدال سلطة بسُلطة، بل على قانون يحمي الجميع، ومؤسسات لا تخضع لنفوذ الأفراد.

أما انعقاد الفعالية في قصر الأمم، فلا يمنح المشاركين صفة رسمية في الأمم المتحدة، ولا يجعلهم ممثلين مفوضين عن الشعب اليمني. فالمؤسسات الدولية ليست أوسمة شخصية، وقاعاتها ليست شهادات شرعية، والصور في أروقتها لا تصنع مكانة سياسية أو اجتماعية.

وسويسرا، بوصفها دولة محايدة تستضيف وتدعم مسارات الحوار والسلام والعمل الإنساني، وجنيف بما تحمله من رمزية دولية، تستحقان أن يُنظر إلى هذه الرمزية بمسؤولية. فاحترام المكان لا يعني تقديسه، واحترام المؤسسات لا يعني الصمت عن الأسئلة المشروعة حول الرسائل التي تُقدم من خلالها.

وأقول ذلك من موقعي كمواطنة يمنية أعتز بانتمائي إلى وطني، وكمواطنة سويسرية أعتز بانتمائي إلى جنيف وقيمها الإنسانية. دخلت قصر الأمم صحفية عام 1998، وما زلت أتذكر هيبة المكان ورمزيته والإجراءات التي كانت تحيط بالدخول إليه وزيارته. لم يكن في ذاكرتي مجرد مبنى تُلتقط الصور في أروقته، بل مؤسسة دولية تحمل رسالة ومسؤولية.

ولهذا أجد نفسي أتساءل اليوم: ماذا حدث لهيبة المكان؟ وكيف أصبح الحصول على إذن دخول ليوم أو يومين عند البعض مناسبة لاستعراض المكانة، وكأن الوجود داخل المقر يمنح صاحبه صفة رسمية أو يجعله جزءًا من المؤسسة؟ إن زيارة مقر دولي لا تمنح أحدًا منصبًا، والصورة لا تصنع تفويضًا، واللقب لا يتحول إلى شرعية لمجرد ظهوره في محفل دولي.

أنا لا أكتب دفاعًا عن طرف ضد طرف، ولا خصومة مع مكوّن اجتماعي، ولا إساءة إلى بلد أعتز بمواطنيتي فيه. أكتب لأنني أؤمن أن احترام الأوطان يبدأ بمواجهة ما يعيق تقدمها، وأن محبة اليمن لا تعني السكوت عن الأفكار التي أبقت الإنسان أسيرًا للنفوذ والتراتبية والخوف.

أنا مع السلام، لكن ليس سلامًا يُطلب من الضعيف أن يصمت كي يستريح القوي. ومع الحوار، لكن ليس حوارًا يُمنح فيه أصحاب النفوذ حق الكلام نيابة عن الآخرين. ومع احترام التقاليد، لكن ليس التقاليد التي تُهدر كرامة الإنسان أو تبرر إخضاعه.

لا قداسة لنسب، ولا حصانة للقب، ولا سلطة فوق القانون. لا إنسان يولد سيدًا، ولا إنسان يولد تابعًا. هذه ليست شعارات مستوردة، بل أبسط شروط العدالة والكرامة الإنسانية.

كفى إعادة تدوير الماضي تحت عناوين جديدة. اليمن لا يحتاج إلى مشيخات تتنازع تمثيله، بل إلى دولة تحمي مواطنيه. لا يحتاج إلى سادة وأتباع، بل إلى مواطنين متساوين. ولا يحتاج إلى استعراض الألقاب في المحافل الدولية، بل إلى بناء مؤسسات تحترم الإنسان وتضمن حقوقه.

فالسلام دون عدالة استسلام، والكرامة لا تتجزأ، والأوطان لا تنهض حين يُرفع بعض أبنائها فوق بعض، بل حين يقفون جميعًا أمام القانون على قدم المساواة.

ويبقى الأثر…