أيها الهدهد، يا من حملتَ من سبأ إلى سليمان نبأً يقينًا، لو حلّقت اليوم فوق اليمن، ماذا ستقول لأهلك وناسك؟
هل ستخبرهم عن وطنٍ أتعبته الحروب، أم عن شعبٍ أتقن صناعة الأمل من رماد الخيبات؟ هل ستحدّثهم عن البيوت التي تهدّمت، أم عن القلوب التي ما زالت تتسع للجار والغريب والمحتاج؟
قل لأهل اليمن إن سبأ لم تكن عظيمةً بعرش بلقيس وحده، بل بالحكمة التي جعلت ملكةً تستشير قومها قبل أن تقرر مصيرهم. وقل لهم إن الأرض التي أنجبت بلقيس، وأرسلت هدهدًا يحمل الحقيقة، لا ينبغي أن يعجز أبناؤها عن حمل رسالة السلام.
ودمتم لليمن أجنحةً لا تعرف إلا التحليق نحو نور الأنوار.
هل ستخبرهم عن وطنٍ أتعبته الحروب، أم عن شعبٍ أتقن صناعة الأمل من رماد الخيبات؟ هل ستحدّثهم عن البيوت التي تهدّمت، أم عن القلوب التي ما زالت تتسع للجار والغريب والمحتاج؟
أيها الهدهد، لا تُنكر جراحنا، ولكن لا تجعلها كل حكايتنا. أخبر العالم أن في اليمن أمًّا تُعلّم طفلها المحبة رغم أنها لم تعرف من الدنيا إلا الخوف، وأن هناك أبًا يقتسم رغيفه مع جاره، ومعلّمًا يزرع المعرفة حيث عجزت المدارس عن فتح أبوابها، وامرأةً تُداوي جراح الآخرين بينما تخفي جراحها.
يا هدهد سبأ، أخبرهم أن اليمن لا يحتاج إلى مزيدٍ من المنتصرين على بعضهم، بل إلى أناسٍ ينتصرون لبعضهم.
وأن الاختلاف لا يهدم الأوطان، وإنما يهدمها حين ننسى أن الإنسان أخو الإنسان، وأن كرامة الواحد منا لا تكتمل إلا بصون كرامة الجميع. وقل لهم إن الوطن ليس ترابًا نتنازع عليه، بل قلوبًا نتسع بها لبعضنا، فالأرض التي لا يجد فيها الإنسان أمانًا لا يكفي أن نسميها وطنًا.
وإذا مررتَ فوق صنعاء وعدن وتعز وحضرموت والمهرة وسقطرى، فلا تسأل الناس عمّن ينتمون إليه، بل اسألهم عمّا يستطيعون أن يفعلوه من أجل بعضهم.
وأخيرًا، أيها الهدهد، إذا عدتَ بنبأٍ عن اليمن، فليكن نبؤك أن شعبًا أنهكته الحرب لم يفقد قدرته على المحبة، وأن وطنًا تفرّقت به الطرق ما زالت قلوب أبنائه قادرةً على اللقاء.
فقد حملتَ يومًا إلى سليمان خبر مملكةٍ تحكمها امرأة حكيمة، فاحمل اليوم إلى أهل اليمن رسالةً تقول:
إن الأرض التي جلست على عرشها بلقيس بحكمتها، لا يليق أن تُهمَّش فيها المرأة اليوم؛ فهي ليست نصف الوطن فحسب، بل شريكة في بناء مستقبله، وصانعة أجياله، وصوت الحكمة الذي لا يكتمل سلام اليمن ولا ينهض عمرانه دون أن يُسمع.
ولا تنتظروا هدهدًا يأتيكم بنبأ السلام من بعيد؛ كونوا أنتم رُسل السلام إلى بعضكم. فاليمن لن ينهض حين ينتصر فريقٌ على فريق، بل حين يشعر كل يمني أن كرامة أخيه من كرامته، وأن وجع جاره من وجعه، وأن الوطن يتسع للجميع.















