الجمعة, 06 نوفمبر 2026
158
مع كل انتخابات أمريكية، يتكرر المشهد ذاته في عالمنا العربي؛ حماسة مفرطة، واحتفالات على مواقع التواصل الاجتماعي، وموجة من الفخر والاعتزاز كلما فاز مرشح من أصول عربية بمنصب سياسي أو انتخابي في الولايات المتحدة، وكأن ذلك الفوز انتصار سياسي للعرب جميعًا، أو إنجاز تحقق بفضل مجتمعاتهم وثقافاتهم السياسية.
لكن وسط هذه الفرحة، يغيب السؤال الأهم: هل انتصر هذا المرشح لأنه عربي الأصل، أم لأنه نشأ وعمل داخل منظومة سياسية ومؤسسية أتاحت له فرص النجاح؟
الحقيقة التي ينبغي أن ندركها أن الأصول العرقية وحدها لا تصنع القادة، ولا تمنح أصحابها القدرة على الوصول إلى مواقع القرار. فالمرشح الذي يحقق نجاحًا انتخابيًا في أمريكا لم يصل إلى منصبه بفضل جيناته العربية، وإنما من خلال بيئة سياسية وقانونية ومؤسسية وفّرت له أدوات المنافسة، وفتحت أمامه المجال لتقديم برنامجه وكسب ثقة الناخبين.
إنه، قبل كل شيء، ابن البيئة السياسية التي نشأ أو تشكّل فيها، وابن المؤسسات التي أتاحت له ممارسة حقوقه والمنافسة على السلطة، وليس بالضرورة امتدادًا للعقلية السياسية والاجتماعية السائدة في موطن أجداده.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فنحن نحتفل بنجاح شخص من أصول عربية داخل نظام سياسي مختلف، بينما لا نزال في كثير من بلداننا عاجزين عن بناء البيئة التي تسمح بإنتاج تجربة مماثلة.
نصفق للديمقراطية حين تمنح أحد أبناء أصولنا فرصة الوصول إلى السلطة في الخارج، لكننا نتعثر في قبول أبسط قواعدها داخل مجتمعاتنا. نتحدث بإعجاب عن صناديق الاقتراع هناك، بينما تتحول المنافسة السياسية عندنا، في كثير من الأحيان، إلى صراعات هوية، ومناكفات قبلية، واستقطابات مذهبية ودينية، ويصبح الاختلاف في الرأي سببًا للتخوين والإقصاء بدلًا من أن يكون أساسًا للتعددية والتنافس.
والأكثر غرابة أننا نبالغ أحيانًا في تحميل نجاح هؤلاء المرشحين دلالات قومية لا يحتملها الواقع، متناسين أن المرشح الفائز يمثل ناخبيه، ويلتزم بالدستور والقوانين والبرنامج السياسي الذي انتُخب على أساسه، وليس مطالبًا بحل أزمات البلدان التي ينتمي إليها أجداده.
فلماذا نفرح وكأننا شركاء في صناعة هذا الإنجاز، بينما لم نشارك في بناء المؤسسات التي جعلته ممكنًا؟
ليس المطلوب التقليل من نجاح أي شخصية عربية الأصل في الخارج، ولا إنكار حق الناس في الاعتزاز بوصولها إلى مواقع متقدمة. فهذه النجاحات تستحق التقدير، لكنها ينبغي أن تكون مصدر إلهام ومراجعة للذات، لا مناسبة للاكتفاء بالتصفيق والاحتفال.
فالأمم لا تتقدم باستعارة نجاحات أبنائها في الخارج، ولا تُبنى الديمقراطية بالتغني بتجارب الآخرين، وإنما بإصلاح مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، واحترام الكفاءة، وتكريس مبدأ المواطنة المتساوية، وتهيئة بيئة سياسية تسمح بتداول السلطة والتنافس على أساس البرامج لا الانتماءات الضيقة.
لقد آن الأوان أن نغادر مقاعد المتفرجين، وأن نتوقف عن البحث عن انتصارات رمزية في صناديق اقتراع الآخرين، بينما تظل صناديقنا ومؤسساتنا أسيرة الأزمات والصراعات.
فالنجاح الذي نصفق له في الخارج ليس معجزة صنعتها الأصول العربية، بل ثمرة منظومة أتاحت للإنسان أن يتقدم بكفاءته وبرنامجه وثقة الناخبين به.
أما نحن، فلن يتغير واقعنا بمجرد الاحتفاء بتلك النجاحات، ما لم نمتلك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السياسية، وإصلاح اختلالاتنا، وبناء مؤسسات قادرة على إنتاج النجاح داخل أوطاننا.
والخلاصة أن الديمقراطية لا تُستورد بالتصفيق، ولا تُمارس بالوكالة، ولا تُقاس بعدد الفائزين من أصولنا في انتخابات الآخرين؛ بل بقدرتنا على بناء أوطان يستطيع فيها أبناؤنا أن ينجحوا دون أن يضطروا إلى البحث عن بيئة عادلة خارج حدودها.
فبدلًا من أن نسأل بفخر: كم عربيًا فاز في انتخابات أمريكا؟ علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: متى نبني في أوطاننا نظامًا يتيح للكفاءات أن تنجح كما تنجح هناك؟