أكتب اليوم من ذاكرة جيل عاصر العمل الصحفي حين كانت الكلمة مسؤولية، والمهنية ثقافة، واحترام الذات أساس الحضور؛ إلى جيل يظن بعض أفراده أن عدسات العيون الملوّنة، وفلاتر الوجوه، وأناقة المظهر، وأرقام المشاهدات، كفيلة بمنحهم لقب إعلامي.
عشنا زمنًا لم تكن فيه وجوهنا بحاجة إلى فلاتر، ولا كانت قيمة الإعلامية تُقاس بلون عينيها، أو ثمن حقيبتها، أو ماركة ملابسها، بل بما تحمله من فكر، وما تقدمه من رسالة، وما تتركه من أثر.

لسنا ضد الأناقة، ولا ضد التجديد، لكننا ضد أن يصبح المظهر بديلًا عن المضمون، وأن تتحول الشهرة الرقمية إلى شهادة كفاءة، وأن يُمنح لقب الإعلامي لكل من نجح في جذب الأنظار، حتى لو غابت عنه أبجديات المهنة وأخلاقياتها.

والمؤسف أن بعض أبناء جيلنا، ممن يفترض أنهم يحملون رصيدًا من الخبرة والتجربة، دخلوا هم أيضًا سباق الفلاتر وتغيير الملامح، وكأن سنوات العمل لم تعد كافية، ما لم تصاحبها صورة تنافس صور الصغار في عالم الترند.

أما الذين يتصدّرون المشهد بالنقد والتجريح، من دون أن يمتلكوا أدوات المعرفة أو الحد الأدنى من التأهيل المهني، فأقول لهم: ليس كل من انتشر أصبح إعلاميًا، وليس كل من جمع المتابعين امتلك الوعي، وليس كل من اعتلى منصة صار مؤهلًا لتقييم الآخرين.

ولا أنتقص هنا من أحد بسبب شهادته، فالعلم لا يُختزل في ورقة، لكن الموهبة وحدها لا تعفي صاحبها من التعلم والثقافة وتطوير أدواته واحترام أخلاقيات المهنة. فالإعلام ليس لقبًا نمنحه لأنفسنا، بل مسؤولية نستحقها بما نعرف، وما نكتب، وما نقدّم للناس.

المشاهدات تصنع انتشارًا، لكنها لا تصنع إعلاميًا. والفلاتر تغيّر الملامح، لكنها لا تصنع ثقافة. والترند قد يمنحك شهرة اليوم، لكنه لا يضمن لك احترام الغد.

إنني لأشفق على ابتذال مفهوم الإعلام بقدر ما أشفق على مرحلة بات فيها البعض يخلط بين الظهور والتأثير، وبين التصفيق والاستحقاق، وبين الشهرة والمكانة المهنية.

رسالتي ليست حربًا على جيل، ولا إنكارًا لحق الشباب في التجديد والنجاح، بل دفاع عن مهنة لا ينبغي أن تفقد هيبتها وسط ضجيج المنصات. فمن حق الشباب أن يبدعوا ويثبتوا حضورهم، لكن ليس من حق أحد أن يختزل الصحافة في صورة، أو يجعل عدد المشاهدات المعيار الوحيد للكفاءة.

نحن أبناء زمن كانت فيه الكلمة هي الهوية، واليوم نرى زمنًا يحاول فيه البعض أن يجعل الصورة هي الهوية.

وبين الزمنين يبقى السؤال: ماذا سيبقى حين ينتهي الترند، وتخفت الأضواء، وتتراجع أرقام المشاهدات؟
سيبقى ما كتبناه بصدق، وما دافعنا عنه بمسؤولية، وما تركناه في عقول الناس وضمائرهم.

ويبقى الأثر… أما الترند، فله عمر، وللكلمة الصادقة عمر آخر.