> حمادي معمري
- قوافل اليمن رسمت ملامح الخريطة السياسية والعالمية القديمة
امتد نفوذ الممالك اليمنية قديمًا على مساحات واسعة تتجاوز مساحة اليمن اليوم، كذلك مكنه موقعه الجغرافي الذي يتوسط العالم، ليكون القلب النابض للحركة التجارية العالمية، وطوع تجار اليمن قديمًا الجغرافيا، فصنعوا شبكة تجارية ربطت آسيا ببقية العالم عبر البر والبحر، ورسمت القوافل التجارية اليمنية ملامح الخريطة السياسية والعالمية القديمة.

اللبان أو "الذهب الأبيض"
ومن أهم السلع التي اختص في تجارتها اليمنيون، البخور والمر واللبان، وهي مواد مطلوبة قديماً في المعابد المصرية في عهد الفراعنة وأيضاً في أوروبا.
ويعادل اللبان وقتها الذهب في قيمته ويسمى "الذهب الأبيض"، الذي عطر عبقه معابد مصر القديمة وروما وأوروبا.
كذلك رسمت طرق القوافل التجارية ملامح نهضة عمرانية بقيت شاهدة على ذلك العصر إلى اليوم، فشيدت الجسور في بعض المسارات الصعبة لتسهيل حركة القوافل، وبنيت المحطات التجارية والأسواق والحصون والقلاع لحماية الطرقات.

تعد موانئ اليمن كعدن والمخا وقنا، من أبرز مراكز تصدير القهوة اليمنية أو ما يعرف بالبن اليمني، الذي يصل إلى كل من جدة ومصر ثم إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط، قبل أن يتراجع أداء اليمن الاقتصادي والتجاري، بخاصة في تصدير مادة القهوة.
واختصت الموانئ اليمنية التي تربط البحر الأحمر عبر قناة السويس بدول شمال أفريقيا في لعب دور الوساطة في تجارة سلع قادمة من الهند وجنوب شرقي آسيا، ومنها الفلفل والتوابل والبهارات الأخرى.
لم تكن الطرق التجارية القديمة تبادلاً للسلع فحسب، بل كانت تلاقحًا حضاريًا وتبادلًا ثقافيًا، لذلك بقيت آثار هذه الطرق عالقة في الثقافة العربية إلى اليوم.

وقبل أن تظهر الطرق التجارية الحديثة والموانئ العملاقة، شكلت القوافل والسفن التي كانت تنقل البخور والتوابل والحرير والمعادن والبن اليمني شبكات تجارية واسعة ربطت الجزيرة العربية بالبحر المتوسط وبشرق أفريقيا وآسيا، وامتدت لأكثر من ألفي كلم بحسب "اليونيسكو".
تحتفظ الأسواق العربية اليوم في شمال أفريقيا كتونس والمغرب ومصر بمنتجات يمنية أصيلة كمواد العطارة والأعشاب واللبان والحناء والقهوة والبهارات الشرقية، ذات المنشأ اليمني، التي كانت تنقل عبر الموانئ إلى بقية العالم.

ولا تزال بهارات مثل "الهيل" الذي يستخدم كمنكه للقهوة، والقرفة والقرنفل التي كانت تشق البحار عبر السفن الشراعية اليمنية، تشكل أساس المطبخ المغاربي والمصري.
البرتغاليون قلصوا نفوذ اليمن التجاري
ويرى أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية طارق الكحلاوي، في تصريح خاص، أن "الطرق التجارية امتدت من الجزيرة العربية أي من اليمن عبر الحجاز، ثم شمال الجزيرة العربية، وصولًا إلى الشام، واستمرت إلى الفترة الحديثة، أي إلى حين قدوم البرتغاليين ثم الهولنديين الذين أنهوا هذا الاختصاص الحصري للبحارة اليمنيين".
ويضيف الكحلاوي أن "التجارة البرية اليمنية تراجعت باتجاه الشام ومن ثم المتوسط، كذلك تراجعت التجارة البحرية عبر البحر الأحمر باتجاه مصر، ومنها إلى بقية حوض المتوسط وشمال أفريقيا، ونتيجة ذلك، ضعف الدور التجاري اليمني بصورة ملاحظة منذ القرنين الـ16 والـ17، وتقلص دوره التجاري التقليدي الذي كان يؤمنه من خلال اختصاصه التجاري البحري في اتجاه جنوب آسيا، ومنذ دخول الأساطيل البرتغالية والهولندية وبقية الأساطيل الأوروبية بات النفاذ مباشرًا للأسواق الآسيوية، ممن دون المرور بالوسطاء في المنطقة العربية ومنهم الوسيط اليمني".

الدولة الحديثة غيرت مسالك التجارة
من جهته، يرى أستاذ تاريخ الاقتصاد، الأزهر الغربي، في تصريح خاص، أن "مسالك التجارة تغيرت مع بداية الاستعمار والدولة الحديثة، وارتبطت تونس والدول المغاربية عموماً ومصر، بأوروبا، كذلك استعادت مسالك التجارة نشاطها في المنطقة العربية مع دخول قناة السويس في النشاط في القرن الـ19 (1868)، وباتت المسالك التجارية تعتمد تصدير البترول والغاز والقطن بينما تراجعت المواد القادمة من اليمن، ما عدا القهوة وبعض الأقمشة، وتقلصت المبادلات التجارية بين اليمن ودول المنطقة المغاربية، بينما بقي الاقتصاد اليمني اقتصادًا تقليديًا ولم يحقق النقلة النوعية المرجوة ليستعيد مكانته في التصدير، كذلك سيطرت على الأسواق دول أخرى كالهند".
وتراجعت المبادلات التجارية بين مصر واليمن وتركزت أساسًا على توريد الأسماك والقشريات والرخويات وبعض المنتجات من أصل حيواني، بينما تستورد اليمن من مصر منتجات الحبوب والألبان والبيض والأدوية.
"اندبندنت عربية"











