> عدن «الأيام» العرب اللندنية:

  • ​​صحيفة بريطانية: سقوط تعز يضع الانتقالي الجنوبي في مواجهة الحوثيين
لم يعد حصار تعز مجرد جبهة جديدة في الحرب اليمنية، بل تحول إلى اختبار لموازين القوة في جنوب البلاد وغربها، في ظل تقدم الحوثيين على الطرق التي تربط المدينة بمناطق الحكومة المعترف بها دولياً، وتصاعد المخاوف من أن يؤدي سقوطها إلى زيادة الضغط العسكري على لحج وعدن.

وأدان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن عيدروس الزبيدي، الثلاثاء، الهجوم الحوثي على معسكر أمني في محافظة شبوة، الذي ارتفعت حصيلة قتلاه إلى 73، فيما لا يزال 14 آخرون في عداد المفقودين، وفق السلطات المحلية التي نقلت عنها وكالة الأنباء اليمنية الرسمية «سبأ».

وقال الزبيدي إن دماء أبناء الجنوب لن تضيع، لكنه حذر من محاولات جر الجنوب إلى أتون الحرب الدائرة في شمال اليمن، في موقف يثير تساؤلات بشأن حدود انخراط المجلس في التصعيد العسكري، وأولوياته في التعامل مع تقدم الحوثيين نحو المناطق الجنوبية.

وفي هذا المشهد، تتجاوز الأسئلة حدود قدرة القوات الحكومية على الصمود، لتطال موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، وما إذا كانت خلافاته مع السعودية ستؤثر في حساباته تجاه التهديد الحوثي.

وتكتسب المعركة أهميتها من الموقع الذي تحتله تعز، فهي ثالث أكبر المدن اليمنية، وتشكل حلقة وصل بين الساحل الغربي والمناطق الجنوبية، كما تمثل أحد أبرز مراكز المقاومة للحوثيين. 

وأفادت تقارير صحفية في منتصف أكتوبر بأن الجماعة أحكمت تطويق المدينة وقطعت الطريق الرئيسي المؤدي إلى عدن، فيما تحولت المداخل والطرق المحيطة بها إلى خطوط اشتباك تهدد حركة المدنيين والإمدادات

ولا يعني سقوط تعز، إذا حدث، أن الطريق إلى عدن سيصبح مفتوحاً تلقائياً، لكنه سيغير المعادلة العسكرية، ويمنح الحوثيين فرصة لتوسيع الضغط على خطوط الإمداد ومواقع القوات المناهضة لهم. 

فالجماعة لا تحتاج بالضرورة إلى اقتحام المدن الجنوبية مباشرة كي تحقق مكاسب استراتيجية؛ إذ يمكنها استنزاف خصومها، وعزل جبهاتهم، وتهديد الطرق التي تربط مناطق سيطرتهم، بما يفرض عليهم توزيع قواتهم على جبهات متعددة.

وتزداد خطورة هذا الاحتمال مع استمرار القتال على محاور أخرى، بينها المناطق القريبة من باب المندب والساحل الغربي. 

وترى تحليلات عسكرية أن السيطرة على تعز قد تتيح للحوثيين توسيع تحركاتهم باتجاه لحج وعدن، فضلاً عن تعزيز نفوذهم على امتداد الساحل الغربي، بما يربط المكاسب الميدانية بأهداف استراتيجية تتجاوز حدود المدينة.

في المقابل، يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي معضلة سياسية وعسكرية. فالمجلس، الذي يرفع مشروع استعادة دولة الجنوب، يجد نفسه أمام تقدم قوة يعتبرها خصماً، في وقت تتسم علاقته بالسعودية بالتوتر والخلاف بشأن ترتيبات السلطة والأمن في المناطق الجنوبية. 

ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً: هل يمكن أن تتحول الخصومة السياسية مع الرياض إلى عامل يضعف التنسيق في مواجهة الحوثيين، أم أن تهديد الجنوب سيجبر مختلف القوى على إعادة ترتيب أولوياتها؟

ولا يمكن التعامل مع المجلس الانتقالي باعتباره طرفاً غائباً تماماً عن التطورات العسكرية. فقد أعلن رئيسه عيدروس الزبيدي مواقف تدعو إلى التعبئة للدفاع عن الجنوب ومشروعه السياسي، فيما شاركت تشكيلات جنوبية، بينها ألوية العمالقة، في العمليات المناهضة للحوثيين على جبهات الساحل الغربي وباب المندب. 

لكن إعلان التعبئة أو تأييد العمليات لا يكفي وحده لإثبات حجم التحرك الميداني، أو مدى استعداد قوات المجلس للانخراط في مواجهة أوسع إذا امتد الضغط الحوثي إلى خطوط الدفاع عن عدن.

وهنا تكمن المسألة التي تستحق المساءلة: ليس المطلوب من الانتقالي التخلي عن مشروعه السياسي أو تجاوز خلافاته مع السعودية، بل توضيح كيفية التوفيق بين تلك الخلافات وبين المخاطر التي قد تترتب على توسع الحوثيين جنوباً. 

فإذا كان المجلس يعتبر أن حماية الجنوب أولوية وطنية، فإن تقدّم الحوثيين نحو مناطق قريبة من عدن يضع هذا الموقف أمام اختبار عملي، لا يكفي فيه الخطاب السياسي وحده.

وفي المقابل، لا ينبغي اختزال المشهد في مسؤولية الانتقالي وحده. فالقوات الحكومية والتشكيلات المحلية المناهضة للحوثيين تعاني بدورها من تباين مراكز القيادة وتعدد الحسابات السياسية، وهي عوامل قد تحد من قدرتها على إدارة جبهات متزامنة. 

كما أن تحميل طرف واحد مسؤولية تعثر المواجهة يتجاهل الحاجة إلى تنسيق عسكري وسياسي أوسع، يحدد أولويات الدفاع ويوزع الموارد وفقاً للمخاطر الميدانية.

وبينما تتصارع الحسابات العسكرية والسياسية، يتحمل سكان تعز الكلفة المباشرة للتصعيد. فقد حذرت تقارير أممية من نقص الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، ومن تعطل وصول المساعدات إلى مئات الآلاف من السكان. 

وأشارت رويترز في 14 أكتوبر إلى أن أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات، بينهم أكثر من 200 ألف طفل، في وقت تواجه فيه المستشفيات نقصاً في الأدوية والوقود ومستلزمات علاج المرضى.

ولا تقف التداعيات عند حدود المدينة. فاستمرار الحصار قد يفاقم النزوح ويضغط على المناطق الجنوبية التي تستقبل الفارين، فيما يرفع أي تقدم حوثي إضافي المخاطر الأمنية على الطرق والمراكز السكانية. 

وقد أظهر الهجوم الصاروخي الحوثي على مجمع القصر الرئاسي في عدن، الذي قالت الحكومة إنه أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، أن التهديد لا يقتصر على جبهة تعز وحدها.

وتكشف هذه التطورات أن المعركة لا تتعلق بمن يسيطر على مدينة فحسب، بل بقدرة القوى المناهضة للحوثيين على منع تحول الخلافات الداخلية إلى فرصة توسع عسكري للجماعة. 

فالتنافس بين الانتقالي والحكومة، والتوتر مع السعودية، قد يضعفان الجبهة المقابلة للحوثيين إذا تقدمت المصالح الفئوية على حساب التنسيق الضروري.

وفي المحصلة، يفتح حصار تعز سؤالاً يتجاوز الجبهة نفسها: هل يستطيع المجلس الانتقالي الفصل بين خصومته السياسية مع السعودية وبين ضرورة التصدي لتقدم الحوثيين نحو الجنوب؟ 

لا تعني الإجابة أن الانتقالي وحده مسؤول عن حماية عدن، ولا أن سقوط تعز سيحسم مصير الجنوب، لكنها تضع الجميع أمام حقيقة أن الفراغ في التنسيق قد يكون مكسباً للحوثيين. 

وكلما طال الحصار واتسعت الجبهات، ارتفعت كلفة الانتظار على تعز، وعلى القوى التي تقول إنها تسعى إلى حماية الجنوب.