هل نحن أمام «يالطا جديدة»؟ الكبار يعيدون رسم النظام الدولي وأوروبا تخشى الخروج من معادلة النفوذ.

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان العالم يتجه نحو نظام دولي جديد، بل ما طبيعة هذا النظام، ومن سيمتلك حق صياغة قواعده، ومن سيجد نفسه مضطراً للتكيف مع خرائط سياسية واقتصادية وأمنية لم يشارك في رسمها.

إن المقارنة بمؤتمر يالطا عام 1945 ليست مجرد استدعاء تاريخي، بل تعبير عن مخاوف استراتيجية حقيقية من عودة سياسة التفاهمات الكبرى بين القوى العظمى، حيث تُحسم الملفات المصيرية في الغرف المغلقة، وتُعاد صياغة مناطق النفوذ وفقاً لموازين القوة والمصالح، بعيداً عن حسابات الدول الصغيرة والمتوسطة، وحتى بعض الحلفاء التقليديين.

في يالطا اجتمع روزفلت وتشرشل وستالين، وكانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، فناقشوا شكل أوروبا بعد الحرب ومستقبل ألمانيا وترتيبات النظام الدولي.

أما اليوم، فإن ملامح المشهد مختلفة؛ الولايات المتحدة وروسيا والصين تمثل القوى الثلاث الأكثر تأثيراً في صياغة التحولات الاستراتيجية الكبرى، بينما تتراجع بريطانيا عن موقعها التاريخي كأحد أقطاب التفاهمات الكبرى، وتبرز الصين باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية دولية شاملة.

لكن يالطا الجديدة، إن تشكلت، لن تكون بالضرورة مؤتمراً واحداً أو اتفاقاً معلناً لتقسيم العالم، وإنما قد تكون سلسلة من التفاهمات والمقايضات المتبادلة، التي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والأمنية، وتُستخدم فيها الحروب الإقليمية أوراقاً للتفاوض وإعادة ترتيب موازين النفوذ.

وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية أكبر مع الحديث عن لقاء ثلاثي محتمل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، ربما على هامش قمة مجموعة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في الصين خلال نوفمبر المقبل.

وقد أبدى ترامب انفتاحه على اللقاء، فيما طرح بوتين إمكانية استخدامه لمناقشة تسوية الحرب الأوكرانية. والمهم هنا أن موسكو لا تنظر إلى الاجتماع باعتباره مناسبة بروتوكولية، بل فرصة لفتح ملفات تتجاوز أوكرانيا إلى الأمن النووي والعلاقات الاقتصادية ومستقبل التوازن الدولي. ومع ذلك، لا يعني طرح الاجتماع أن اتفاقاً ثلاثياً قد تم التوصل إليه، فالصين نفسها لم تبدِ قبولاً واضحاً بمفاوضات نزع السلاح النووي بهذا الإطار.

وهنا تبرز المعضلة الأوروبية. فأوروبا التي تحملت القسم الأكبر من التداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب الأوكرانية تجد نفسها أمام احتمال أن تتفاوض واشنطن وموسكو على مستقبل الحرب، بينما تكون الدول الأوروبية وأوكرانيا أمام نتائج تفاهمات لم تشارك في صياغتها. وتخشى العواصم الأوروبية أن تتحول أوكرانيا إلى موضوع للمساومة بين القوى الكبرى، وأن يجري التوصل إلى ترتيبات بشأن الأراضي والعقوبات والضمانات الأمنية وإعادة الإعمار دون أن تكون أوروبا صاحبة القرار الأساسي.

لكن من الخطأ الاعتقاد بأن أوروبا خرجت بالفعل من اللعبة؛ فهي لا تزال تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، كما أن أمنها المباشر مرتبط بأي تسوية مع روسيا. ولذلك تسعى بروكسل وباريس وبرلين ولندن إلى فرض حضورها في أي مفاوضات مقبلة، وتطالب بتحويل المسار الأمريكي الروسي إلى مسار أوسع تشارك فيه أوروبا وأوكرانيا. إنها معركة على مقعد التفاوض قبل أن تكون معركة على مضمون الاتفاق.

أما الولايات المتحدة، فإن حساباتها لا تقتصر على إنهاء الحرب في أوكرانيا. فهناك مصالح اقتصادية وتجارية ضخمة، وملفات الطاقة والأسواق والتكنولوجيا والموارد الاستراتيجية، فضلاً عن المنافسة مع الصين على قيادة الاقتصاد العالمي. وقد ترى واشنطن أن التفاهم مع موسكو في بعض الملفات يتيح لها إعادة ترتيب أولوياتها الدولية، وتقليل أعباء المواجهة في أوروبا، والتفرغ أكثر للتنافس الاستراتيجي مع بكين. وفي المقابل، تسعى روسيا إلى تخفيف عزلتها الاقتصادية واستعادة موقعها الدولي، بينما تريد الصين منع تشكل جبهة دولية موحدة ضدها، وتوسيع مجال حركتها الاقتصادية والسياسية.

ومن هنا فإن الحديث عن شراكات اقتصادية أمريكية روسية محتملة ليس أمراً مستبعداً، حتى مع استمرار الخلافات الاستراتيجية بين البلدين. فالدول الكبرى لا تدير علاقاتها بمنطق الصداقة والعداوة الدائمة، بل بمنطق المصالح المتغيرة. وقد تتصارع في ملف، وتتفاوض في ملف آخر، وتتعاون اقتصادياً في الوقت الذي تختلف فيه سياسياً وعسكرياً.

أما الشرق الأوسط، فهو أحد أهم ميادين هذه التفاهمات المحتملة، وربما يكون من أكثر المناطق تأثراً بها. فالحرب مع إيران، ومستقبل البرنامج النووي، وأمن الممرات البحرية، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل سوريا والعراق ولبنان واليمن، كلها ملفات يصعب فصلها عن التنافس الأمريكي الروسي الصيني. وقد نشهد محاولة لإعادة توزيع الأدوار والنفوذ في المنطقة، ليس بالضرورة عبر تقسيم جغرافي معلن، بل من خلال تفاهمات أمنية وسياسية واقتصادية تحدد من يمتلك التأثير في كل ملف، وما الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها كل طرف.

والأخطر أن هذه التفاهمات، إذا جرت على حساب إرادة شعوب المنطقة، قد تنتج استقراراً مؤقتاً بين الدول الكبرى، لكنها تترك خلفها أزمات وطنية مؤجلة وقابلة للانفجار من جديد.

وفي قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج أمام مرحلة شديدة الحساسية. فالمشهد الخليجي لا يعكس حتى الآن وحدة استراتيجية متماسكة بقدر ما يكشف عن تباينات في الأولويات والحسابات والتحالفات، رغم أن أمن هذه الدول مترابط بصورة لا تسمح لأي منها بالتعامل مع التهديدات باعتبارها شأناً خاصاً بها.

فإذا تجددت المواجهة العسكرية مع إيران، فإن دول الخليج ستكون في دائرة الخطر المباشر، سواء من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة أو استهداف المنشآت النفطية والموانئ والمطارات ومحطات الطاقة والممرات البحرية. وقد رفعت طهران بالفعل من حدة تحذيراتها بشأن الرد على أي هجوم أمريكي جديد، وهو ما يجعل احتمالات اتساع المواجهة مسألة لا يمكن تجاهلها.

وهنا تبرز المفارقة السعودية بصورة خاصة. فالمملكة التي ظلت لعقود تعتمد على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في ضمان أمنها، تجد نفسها أمام تحديات متعددة، من التهديد الإيراني إلى الهجمات الحوثية المتكررة. وتبدو واشنطن حريصة على تجنب الانخراط في حرب برية أو مواجهة مفتوحة داخل اليمن، مع التركيز على الحسابات الدفاعية والسياسية. وهذا يطرح تساؤلات جدية حول حدود الالتزام الأمريكي عندما تصبح المصالح الأمريكية أوسع من الدخول في حرب إقليمية مكلفة.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين غياب التدخل الهجومي الشامل وغياب الدعم العسكري تماماً؛ فهناك دعم دفاعي معلن، كما أعلنت بريطانيا توسيع دورها في حماية الأجواء السعودية عبر دوريات جوية دفاعية، وتعهدت مصر بتقديم الدعم اللازم لأمن المملكة. لكن هذه المساعدات لا تعني بالضرورة وجود استراتيجية دولية مشتركة لإنهاء التهديد الحوثي أو حسم المواجهة معه.

وهذا يضع السعودية أمام سؤال استراتيجي مهم: هل تستطيع الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها في مواجهة تهديدات متعددة، أم أن عليها إعادة بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على تفاهمات خليجية حقيقية، وشراكات متوازنة، وقدرات دفاعية مستقلة؟ فالدول التي لا تمتلك قرارها الأمني المستقل تظل عرضة لتغير أولويات حلفائها، مهما كانت قوة العلاقات السياسية والعسكرية بينهم.

وفي سياق الاستعدادات الأوروبية والبريطانية، ظهرت دلالات تستحق التوقف عندها. فقد أعلنت الحكومة البريطانية في 22 أكتوبر الجاري حملة جديدة تحت عنوان الاستعداد للطوارئ، دعت فيها الأسر إلى الاحتفاظ بمخزون من المياه والأغذية غير القابلة للتلف يكفي لثلاثة أيام، تحسباً لانقطاع الخدمات الأساسية أو تعطلها بسبب ظروف استثنائية، بما فيها الأحوال الجوية القاسية. وهذه التوجيهات تأتي ضمن برنامج وطني يمتد ثلاث سنوات، وليست دعوة لتخزين مؤن تكفي ثلاثة أشهر، ولا إعلاناً عن توقع حرب وشيكة.

ومع ذلك، فإن صدور هذه التوجيهات في ظل تصاعد التوترات الدولية والحروب والتهديدات التي تطال سلاسل الإمداد والبنية التحتية، يعكس تحولاً في التفكير الأمني الأوروبي. فلم يعد الأمن مقتصراً على الجيوش والأسلحة والحدود، بل أصبح يشمل أمن الغذاء والطاقة والاتصالات والقدرة على استمرار الحياة اليومية في أوقات الأزمات.

وهنا لا بد من التوقف عند حقيقة مهمة: العالم لا يتجه بالضرورة إلى حرب عالمية شاملة، لكنه يتجه إلى مرحلة تتزايد فيها احتمالات المواجهات المتزامنة، والحروب بالوكالة، والصراعات الاقتصادية، والضغوط على الممرات البحرية ومصادر الطاقة. وقد تكون هذه المرحلة أخطر من حيث تعقيدها وتداخل أطرافها، لأنها تجعل الأزمات الإقليمية قابلة للتحول إلى أزمات دولية في وقت قصير.

أما الجنوب العربي واليمن، فهما ليسا بعيدين عن هذه الحسابات. فالموقع الجغرافي المطل على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وما يمثله من أهمية للتجارة العالمية وأمن الطاقة والملاحة الدولية، يجعل مستقبل المنطقة جزءاً من أي ترتيبات استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط. وأي تفاهم دولي بشأن إيران أو الحوثيين أو أمن البحر الأحمر ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل اليمن والجنوب.

لكن الخطأ الأكبر أن تتصور القوى الإقليمية أن بالإمكان معالجة هذه الملفات من خلال صفقات بين العواصم، مع تجاهل الإرادة السياسية للشعوب وحقوقها الوطنية. فالتفاهمات الدولية قد تفرض ترتيبات مؤقتة، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقائق التاريخية والسياسية، ولا ضمان استقرار دائم إذا قامت على تجاوز أصحاب المصلحة الحقيقيين.

إن الدرس الذي ينبغي أن تستوعبه دول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، هو أن العالم لا ينتظر أحداً، وأن التحالفات لا تعني بالضرورة تطابق المصالح، وأن القوى الكبرى قد تتفق فيما بينها على ملفات معينة، حتى لو كان بعض حلفائها الإقليميين يدفعون ثمن تلك التفاهمات.
نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل محتملة للنظام الدولي، وليس بالضرورة أمام نسخة مطابقة من يالطا عام 1945. وقد تكون الولايات المتحدة وروسيا والصين هي الأطراف الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بينما تحاول أوروبا منع تهميشها، وتسعى القوى الإقليمية إلى حماية مواقعها ومصالحها وسط عالم تتغير فيه قواعد التحالف والصراع.

والسؤال الذي ينبغي أن يشغل دول المنطقة ليس فقط: ماذا سيتفق عليه الكبار؟ بل: ماذا أعددنا نحن لمواجهة عالم قد تُصاغ فيه القرارات الكبرى بعيداً عنا؟
ففي السياسة الدولية، من لا يمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً، ولا قوة تحمي مصالحه، ولا رؤية تحدد موقعه في التحولات الكبرى، قد يجد نفسه مجرد ورقة على طاولة الآخرين، لا شريكاً في تقرير مستقبله.