أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:16 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • تعز..إختبار"فجر اليمن" وما بعده

    أحمد عبداللاه




    ​في جغرافيا الحرب الدائرة، تبرز تعز بوصفها عقدة إستراتيجية تتقاطع عندها حسابات القوى المتصارعة في مناطق الشمال والمناطق المحررة عمومًا، حيث تتشابك في تضاريسها المعقدة خطوط المستقبل وموازين القوة العسكرية والسياسية.

    وتكتسب تعز أهميتها من موقعها الحاكم لمحاور الاتصال بين الشمال والجنوب، وقرب مرتفعاتها الغربية من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلًا عن طبيعتها الجبلية التي تمنح من يسيطر عليها مزايا دفاعية وعملياتية بالغة الأهمية.

    ومن هذا المنظور، يمكن فهم إصرار أنصار الله على استكمال السيطرة على تعز وإخضاعها تدريجيًا ضمن حسابات تتجاوز حدود المحافظة، بما يتيح تعزيز أمن جبهتهم الغربية، وتوسيع قدرتهم على الحركة جنوبًا، والتحكم في محاور الإمداد والاتصال.

    وتتعاظم أهمية هذا التقدير في ظل احتمالات التحولات الإقليمية الكبرى، خصوصًا إذا تعرضت إيران لحرب واسعة تضعف قدراتها أو تغير نظامها السياسي. ففي مثل هذا السيناريو، قد تمثل مرتفعات تعز عمقًا دفاعيًا استراتيجيًا لأنصار الله، يعزز قدرتهم على الصمود وإعادة التموضع بعيدًا عن تقلبات الدعم الإقليمي.

    وعليه، فإن معركة تعز تتجاوز السيطرة على مدينة أو محافظة، لتغدو صراعًا على الجغرافيا التي قد تحدد شروط المستقبل حربًا وسلمًا، خصوصًا في ظل التطورات الاقليمية المحتملة وتاثيرها على مختلف الاطراف،فخسارتها قد تعني اختلالًا استراتيجيًا تتجاوز تداعياته حدود المحافظة إلى مستقبل الحرب برمتها.

    رفعت الشرعية سقف خطابها السياسي والعسكري، مبشرة بفجر جديد ينبثق من فوهات المدافع، ويفضي إلى تحرير صنعاء واستعادة الدولة، فيما روج إعلاميون بأن قرار الحسم قد اتُّخذ، ولم يبقَ سوى تنفيذه. لكن الوقائع الميدانية قدمت مشهدًا مختلفًا، لم يفاجئ من تتبع أداء الشرعية.

    وفي المقابل، ظل المواطنون في تعز ركيزة أساسية للصمود، بينما استنزفت صراعات النفوذ سنوات ثمينة كان يمكن استثمارها في بناء قوة عسكرية موحدة وقيادة منضبطة تتجاوز الانتماءات الحزبية.

    ولم يكن استنزاف تعز في السنوات الماضية مجرد خسارة للقيادات والقدرات، بل تآكلًا للزمن الاستراتيجي ذاته، وتبديدًا لفرص كان يمكن أن تعيد تشكيل وضع العمليات اليوم. فالجغرافيا قد تبقى ثابتة، لكن الزمن حين تضيع فرصه لا يعيد إنتاج شروطه.

    أما القوات الجنوبية، مع الاخذ بعين الإعتبار الاهداف الحقيقية لمعاركها، فإن فلسفة الدفاع عن الجنوب لا ينبغي أن تنحصر في حدود إدارية مرسومة وفق احداثيات الخرائط، فالردع أو الأمن الاستراتيجي لا يبدأ حيث تبدأ الخطوط تلك، بل حيث تتشكل مصادر التهديد ومساراتها وللقيادات العسكرية ان تقدر موضوعيًا مسرح العمليات و مدى الاسناد والمشاركة.

    لا وقت إذن لتوزيع المديح أو اللوم، فالمسألة تتجاوز اي تعثر ميداني إلى احتمال اختلال استراتيجي أوسع، يستدعي رؤية عملية لدعم الجبهات وحماية المناطق المحررة. والمفارقة أن الدفاع عما تحرر منذ سنوات، واستعادة ما فُقد مؤخرًا، أصبحا أقصى ما يمكن الحديث عنه، بعدما كان تحرير صنعاء عنوانًا لحسم قيل إن قراره قد اتُّخذ.

    ولأن اللحظة لا تحتمل الاستغراق في أسئلة "ماذا لو"، فإن تعز، بثقلها التاريخي والسياسي والاجتماعي، لا ينبغي أن تسقط، ليس خوفًا على الجنوب وحده، بل خشية على مستقبل الجميع. فسقوطها قد يمثل تحولًا استراتيجيًا يعيد تشكيل موازين الحرب في الشمال والجنوب معًا. 

المزيد من مقالات (أحمد عبداللاه)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال