​في ذكرى أكتوبر، تتجدد أهمية توحيد الصف الجنوبي، وتعزيز تماسك قواته المسلحة، وتهيئة الظروف لعودة كافة قياداته ونخبه، باعتبار كل ذلك ضرورة حيوية تتجاوز حدود الشعارات السياسية، وتفرضها مقتضيات الأمن وموازين القوة وتعقيدات المرحلة.

فالحروب والأزمات لا تختبر قوة الجيوش فحسب، وإنما تكشف مواطن الخلل في بنيتها حين تتوزع بين تشكيلات متباينة الولاءات والمرجعيات السياسية والعسكرية.

وقد أظهرت مسارات الحرب الجارية أن محاولة تجزئة القوات الجنوبية وإبعاد أو إضعاف قياداتها قد يشكلان خطرًا على فاعليتها الدفاعية، ويفتحان ثغرات تتجاوز خطوط المواجهة لتهدد أمن المدن وعمقها الاستراتيجي، خصوصًا في ظل تحركات أنصار الله، والمخاوف من تنامي نشاط الخلايا الداخلية والطابور الخامس، وعودة تنظيم القاعدة إلى بعض مناطق الجنوب.

ومن هنا، تبرز ضرورة تجاوز تداعيات أحداث يناير هذا العام، ومراجعة ما أفرزته من ترتيبات سياسية وعسكرية، واستعادة تماسك القيادة الجنوبية والقرار وترسيخ العقيدة العسكرية، بعيدًا عن الإقصاء وتكريس الانقسامات. فالخطورة لا تكمن في قوة الخصوم وحدها، وإنما في خلق بيئة تساهم في انعاش الارتباك الداخلي الذي قد يصبح قوة إضافية في رصيدهم، لا سيما أن استقرار الجنوب وتماسك قواته يمثلان ركيزة لأمن المناطق المحررة وعمقًا دفاعيًا لجبهات الشمال ولأمن الاقليم وممراته الحيوية.

غير أن استحضار أكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على متطلبات الحاضر، بل أن يمتد إلى استخلاص دروس التاريخ، وفي مقدمتها الصراعات على السلطة والانقسامات التي دفع المجتمع في الجنوب أثمانها من وحدته واستقراره ومستقبل أجياله.

فالثورات قد تنجح في إسقاط ما قبلها، لكنها لا تضمن بالضرورة سلامة واستقرار ما بعدها. ذلك أن هدم النظام القديم فعل ثوري، أما بناء الدولة فهو امتحان للوعي السياسي ونضج القيادات وقدرتها على تجاوز الذات والتحرر من نزعات الاستحواذ. فغياب رجال الدولة والعقول الاستراتيجية لا تعوضه إدارة السلطة بمنطق الشعارات أو الغلبة، ولا الخطابات السياسية والأيديولوجية، مهما تبدلت مقتضيات المراحل.

ولعلّ الدرس الأعمق في التاريخ أن الثورات لا تستنزفها خصومات الخارج وحدها، بل قد تستنزفها صراعات أبنائها حين تتحول السلطة من وسيلة لتحقيق المشروع الوطني إلى غاية تتقدم عليه. فليس كل انتصار على الماضي انتصارًا للمستقبل، وليس كل من أسهم في صناعة التحرر من الاستعمار قادرًا بمفرده على الاستمرار في إدارة نتائجه وتحقيق الاهداف وترسيخ الضمانات الكافية لاستقرار الدولة ونموها المضطرد.

وعليه، فإن الوفاء لأكتوبر لا يكون بتكرار شعاراته وتمجيد انتصاراته، وإنما بمراجعة تجربته، وتجنب أخطاء المراحل المتعاقبة، وترميم ما تراكم في النفوس من جراح، وتحويل الإنسان من متفجع ندّاب لأوجاع الماضي إلى حامل لمشعل الأمل وصانع للمستقبل. ولن يتحقق ذلك إلا بإخضاع الخلافات الحاضرة لمنطق الهدف المشترك، المتمثل في تحقيق تطلعات شعب الجنوب ومداواة جراحاته التاريخية، بدلاً من إخضاع مستقبل الأجيال لمنطق الخلافات.

وبهذا المعنى، ينبغي أن يصبح أكتوبر من كل عام، ونوفمبر من كل عام، محطتين للمراجعة والتوحيد والتطلع نحو المستقبل، انطلاقًا من إدراك أن التاريخ لا يمنح الشعوب فرصًا مفتوحة لتصحيح أخطائها، وأن الجغرافيا لا تحمي من يعجز عن تنظيم قوته، وأن السيادة لا تصان بالشعارات، وإنما بوحدة الإرادة الداخلية، بوصفها شرطًا أساسيًا لمواجهة الأخطار  وسائر التحديات.

وحين تدرك الغالبية ضرورات البقاء المشترك الصلب والنمو، وتترجم هذا الإدراك إلى مواقفها، يغدو أي اختلاف مجرد تباين في الوسائل، لا انقسامًا يهدد مصير الجغرافيا والإنسان والتاريخ.
ولعلّ أعظم ما يمكن أن يقدمه أكتوبر للأجيال ليس أن يذكّرها بكيفية انتصار الثورات، بل أن يعلّمها كيف تحمي مستقبلها من أخطاء الماضي والحاضر. فالأوطان قد تتحرر من خصومها مرة، لكنها تظل مطالبة بالتحرر من خلافات وصراعات أبنائها في كل مرحلة من مراحل التاريخ.