> "الأيام" غرفة الأخبار:
- دراسة استراتيجية تحدد أسباب تفاقم الأزمة اليمنية
- دعوة لهيكلة مؤسسات الدولة وفقا لموازين القوى الفعلية
- الحكومة أصبحت مطالبة ببناء شرعية داخلية فعلية
قال مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إن اليمن دخل مرحلة بالغة الخطورة من الصراع منذ هدنة عام 2022، مع تصاعد العمليات العسكرية للحوثيين على الساحل الغربي، والتقدم باتجاه مدينة تعز، بالتزامن مع اتساع نطاق الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف السعودية، محذراً من أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود اليمن لتطال الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
وأضاف المركز، في دراسة تحليلية شارك فيها رئيس تحرير مركز الدراسات العربية الأوراسية أحمد دهشان، وخبير الأمن الإقليمي يسار القطارنة، والمحلل الجيوسياسي اليمني خلدون عبدالله، أن التطورات الأخيرة تضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار صعب لقدرتها على احتواء الصراع، في ظل غياب استراتيجية موحدة للتعامل مع التهديدات المتصاعدة.
وأوضح أن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي باتجاه مضيق باب المندب، بالتزامن مع اضطراب الأوضاع المحيطة بمضيق هرمز، يضع دول الخليج أمام أزمة أمنية واقتصادية مزدوجة، نظراً للأهمية الاستراتيجية للممرين في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، مشيراً إلى أن السعودية تواجه تهديداً مباشراً بفعل الهجمات بعيدة المدى التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية.
ونقل المركز عن يسار القطارنة قوله إن التطورات العسكرية الأخيرة أنهت عملياً الفصل التقليدي بين الملف اليمني وأمن الملاحة البحرية، بعدما أصبح التقدم العسكري على الساحل الغربي مؤثراً بصورة مباشرة في السيطرة على الممرات البحرية. وأضاف أن التنافس على مواقع استراتيجية، بينها المخا وذو باب وجزيرة ميون، بات يربط نتائج المعارك البرية بالتوازنات الأمنية الإقليمية وحركة التجارة الدولية.
وفي تفسيره للانتكاسات التي تعرضت لها القوات المناهضة للحوثيين، أرجع المحلل خلدون عبدالله أسباب التراجع إلى سنوات من السياسات الخليجية المتنافسة، وتعدد شبكات الدعم والرعاية، وتنامي القوات المنظمة على أسس مناطقية، الأمر الذي أدى إلى تفكك المعسكر المناهض للحوثيين سياسياً وعسكرياً.
وأضاف أن غياب القيادة العسكرية الموحدة وتعدد مراكز القرار أضعفا التخطيط العملياتي والتنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية والإمداد اللوجستي، فضلاً عن القدرة على تحريك الاحتياطيات وحشد القوات بسرعة. واعتبر أن هذه الاختلالات تفسر جانباً رئيسياً من الانتكاسات الأخيرة على الساحل الغربي، بدلاً من اختزالها في اتهامات بالخيانة أو الإخفاقات الاستخباراتية المنفردة.
ودعا المركز إلى إعادة تقييم الاستجابة العسكرية والسياسية للتهديد الحوثي، ناقلاً عن أحمد دهشان قوله إن عملية عسكرية منسقة تقودها السعودية بالتعاون مع حلفائها الإقليميين والدوليين، وتجمع بين الضربات الجوية والعمليات البرية المنظمة للقوات المناهضة للحوثيين، يمكن أن تؤثر في موازين السيطرة على الساحل الغربي، نظراً إلى طبيعة تضاريسه التي تختلف عن المناطق الجبلية التي توفر للحوثيين مزايا دفاعية أكبر.
لكنه شدد على أن العمل العسكري لا يكفي بمفرده، بل ينبغي أن يترافق مع إصلاحات سياسية واقتصادية تشمل إعادة تشكيل مؤسسات الحكومة المعترف بها دولياً بما يعكس موازين القوى الفعلية، واستئناف عمل مؤسسات الدولة من داخل اليمن، وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين.
وفيما يتعلق بموقف دول الخليج، أشار المركز إلى تباين مقاربات السعودية والإمارات وسلطنة عُمان تجاه الأزمة، رغم المصالح المشتركة في حماية الملاحة البحرية والاستقرار الإقليمي. فبينما تسعى مسقط إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران والحوثيين، تتبنى أبوظبي نهجاً يميل إلى التهدئة، في حين تتحمل الرياض العبء الأكبر من التهديدات العسكرية المرتبطة بالحرب اليمنية.
ونقل المركز عن عبدالله أن الجمع بين الضربات الجوية المحدودة وزيادة مسؤولية القوات الحكومية في مواجهة الحوثيين وتوسيع التعاون مع أطراف متعددة قد يساعد في الحد من التقدم الحوثي، لكنه لا يوفر، بمفرده، ضمانات لخفض التصعيد بصورة مستدامة أو تغيير موازين القوى.
وأكد أن استعادة الحكومة اليمنية قدرتها على المواجهة تتطلب أكثر من توفير الأسلحة، إذ تستلزم توحيد القيادة والسيطرة، وإعداد خطط عملياتية مشتركة، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الحشد والإمداد بين الجبهات المختلفة، بما يسمح باستخدام الموارد المتاحة ضمن استراتيجية عسكرية متماسكة.
وعلى الصعيد السياسي، رأى دهشان أن الحكومة اليمنية بحاجة إلى الانتقال من التركيز على الاعتراف الدولي إلى بناء شرعية داخلية فعلية، من خلال استعادة حضور مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على العمل من داخل البلاد. وأشار إلى أن المقاربة الأكثر واقعية تجمع بين الضغط العسكري المنظم والمفاوضات الجادة، لأن الحرب، رغم قدرتها على تغيير حسابات الخصوم، لا تضمن وحدها إنهاء الأزمة السياسية أو الكارثة الإنسانية في اليمن.
وفي ما يتعلق بأمن البحر الأحمر، حذر القطارنة من أن السيطرة على الساحل الغربي أصبحت عاملاً مؤثراً في قدرة الأطراف اليمنية على التفاوض، داعياً المجتمع الدولي إلى التعامل مع الأمن البحري والصراع اليمني باعتبارهما ملفين مترابطين يؤثر كل منهما في الآخر.













