من السهل اليوم أن نتحدث عن الجنوب، عن واقعه ومستقبله، وعن السياسة والقرارات والخلافات، لكن الأصعب أن نتوقف قليلًا أمام سؤال بسيط وعميق: من يتذكر كم دفع أبناء الجنوب من الشهداء، من القادة والمقاتلين، وكم بذلوا من أعمارهم ودمائهم وأحلامهم في الحرب وضد التطرف، حتى يبقى الجنوب واقفًا؟
قد يختلف الناس في السياسة، لكن دماء الشهداء لا ينبغي أن تكون محل اختلاف، وتضحيات أبناء الجنوب تستحق أن تُحفظ في الذاكرة والضمير.
على مدى سنوات طويلة من الحرب، لم يكن أبناء الجنوب مجرد متابعين لما يحدث من بعيد، بل كانوا في قلب المواجهة، في الجبهات والطرقات والمعسكرات، وفي المدن والقرى التي دفعت ثمن الحرب من أمنها واستقرارها وأبنائها.
هناك شاب ترك أسرته وذهب إلى الجبهة، وهناك أب ودّع عددًا من أولاده ولحق بهم، ولم يكن يعلم هل سيعود أم لا، وهناك أم عاشت سنوات وهي تنتظر خبرًا يطمئن قلبها. وهناك أسر لم تعد تسمع أصوات أبنائها؛ لأنها فقدتهم في معركة أو جبهة أو موقف دفاع عن الأرض والناس.
لا أحد يعلم كم حارب الإنسان الجنوبي لكي أبقى أنا وأنت، وكم مرة وقف في وجه الخوف لكي تبقى الحياة ممكنة لمن خلفه، وكم تعرّض للمآسي على مدى السنوات الماضية.
قد تختلف الرؤى السياسية، وقد تتباين المواقف والاجتهادات، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات التي تبحث عن مستقبلها، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يجعلنا ننسى أصحاب التضحيات، ولا أن تتحول السنوات التي قدموا فيها أعمارهم إلى مجرد أرقام في ذاكرة السياسة.
لقد دفع أبناء الجنوب في عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة والمهرة وحضرموت ثمنًا باهظًا خلال السنوات الماضية من الحرب، في مختلف جبال الجنوب ووديانه. وما يحتاجه هذا النضال اليوم ليس المزايدة ولا استحضار الخصومات، وإنما الوفاء والإنصاف وحفظ التضحيات.
فالذين حملوا السلاح لم يحملوه من أجل أن تُنسى أسماؤهم بعد انتهاء المعركة، والذين فقدوا أبناءهم لم يفقدوهم كي يصبح دمهم مادة للخلاف، وإنما كانوا يحلمون بالأمن والكرامة ومستقبل أفضل لأبنائهم.
إن الوفاء الحقيقي لأبناء الجنوب لا يكون فقط برفع صور الشهداء في المناسبات، وإنما بأن ندرك أن وراء كل شهيد قصة أم، ووراء كل جريح أسرة، ووراء كل مقاتل سنوات من العمر قضى جزءًا منها بعيدًا عن أهله.
لذلك، قبل أن نحاسب التاريخ على ما حدث، علينا أن نتذكر من دفع ثمنه. وقبل أن نختلف على المستقبل، علينا أن نحترم الذين قاتلوا كي يكون لنا مستقبل نتحدث عنه.
فالجنوب ليس مجرد جغرافيا على الخريطة، بل حكاية شهداء من خيرة القادة ومقاتلين شجعان وأناس عاشوا الحرب، وفقدوا الأحبة، وصبروا على الألم، وما زالوا ينتظرون أن تتحول تضحياتهم إلى أمن واستقرار وحياة تليق بهم.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:














