في الحروب الحديثة لم تعد المعارك تُحسم بالبندقية والصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل أصبح الإعلام سلاحًا استراتيجيًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وكسب المواقف وكشف الحقائق ومواجهة الدعاية المضادة والشائعات المستهدفة.

لكن وبعد أحد عشر عامًا من الحرب مع مليشيات الحوثي لا يزال الإعلام الرسمي للشرعية يعاني غياب الرؤية الفاعلة، وضعف التنسيق، ومحدودية الحضور الميداني، في وقت يدرك فيه الطرف الآخر أهمية الإعلام، ويوظفه بكفاءة ضمن معركته العسكرية والسياسية.

فبينما تنشط وسائل إعلام الحوثيين في نقل أخبار الجبهات، وتوظيف الصور والتقارير، واستقطاب الناشطين وإدارة المنصات الرقمية، تبدو المؤسسات الإعلامية التابعة للشرعية عاجزة عن مواكبة الأحداث بالسرعة والفاعلية المطلوبتين.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات وتصريحات رسمية، أو منشورات متفرقة على منصات التواصل الاجتماعي، بل منظومة إعلامية متكاملة، حاضرة في الميدان، وسريعة في نقل المعلومات، وقادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة مهنية مؤثرة.

ويبدأ ذلك بإنشاء غرفة إعلامية مشتركة تتولى إصدار موجزات يومية موثوقة عن تطورات الجبهات، وتزويد القنوات والمواقع الإخبارية بالصور والتقارير الميدانية، إلى جانب تأهيل المراسلين، وتفعيل الإعلام الرقمي، ومواجهة الشائعات بالمعلومات الدقيقة، بعيدًا عن الارتجال والتضارب.

كما أن وجود إعلاميين ومصورين في الميدان، وفق ضوابط مهنية وأمنية واضحة، من شأنه أن يعزز مصداقية الخطاب الرسمي، ويمنح وسائل الإعلام مادة حية تعكس الوقائع وتكشف حقيقة ما يجري على الأرض.

إن استمرار التعامل مع الإعلام باعتباره ملفًا ثانويًا، أو نشاطًا مرتبطًا بتصريحات المسؤولين، يمثل إهدارًا لإحدى أهم أدوات التأثير في معركة طويلة ومعقدة.

وإذا كانت المؤسسات الإعلامية للشرعية عاجزة عن أداء رسالتها الوطنية، رغم ما يُخصص لها من إمكانات وموازنات، فإن من حق المواطنين التساؤل عن جدوى هذا الإنفاق، وعن مدى الحاجة إلى إعادة هيكلة هذه المؤسسات وتقييم أدائها، وتوجيه مواردها نحو ما يحقق نتائج ملموسة.

فالإعلام الذي لا ينقل الحقيقة، ولا يكشف الوقائع، ولا يصل إلى الجمهور في الوقت المناسب، يفقد مبررات وجوده، مهما تعددت منابره وإمكاناته.

وفي معركة تتداخل فيها السياسة والعسكرة والدعاية، لا يكفي أن تمتلك الشرعية قضية عادلة؛ بل عليها أن تمتلك إعلامًا قادرًا على عرضها والدفاع عنها وإيصال صوتها إلى العالم.

فالمعركة الإعلامية ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية، وأي جبهة تُترك بلا حضور إعلامي فاعل تظل عرضة لأن يملأ الآخرون فراغها، ويصوغوا روايتها بدلًا عنها وتبقى غير مؤهلة أو دون مستوى قوة الأحداث وتتابع وتيرة الحرب في البلاد.