أخر تحديث للموقع
الخميس, 11 يونيو 2026 - 02:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • قبل نهاية المشهد

    م. عبدالناصر صالح ثابت




    في الحروب، يعتاد الناس الخوف، لكنهم لا يتوقعون أن يعتادوا العبث. وحتى أكثر المتشائمين سوداوية لم يتخيل أن يصل اليمن إلى هذا الواقع؛ واقعٌ فاق أكثر السيناريوهات تشاؤمًا. فعلى امتداد أكثر من عقد، كنا نظن أن الأزمة بلغت ذروتها، فإذا بها تتمخض لتلد أزماتٍ بكرًا، كلُّ واحدةٍ أشدُّ قسوةً وتعقيدًا من سابقتها.

    لم يعد السؤال اليوم: كيف نخرج من الحرب؟ بل: من أي حربٍ سنفلت أولًا؟ أمن الجبهات العسكرية اللاهبة، أم من الدهاليز السياسية الماكرة، أم من مقصلة الاقتصاد الطاحنة؟ أم من حرب الخدمات والإذلال اليومي التي يخوضها المواطن كل صباح، بحثًا عن راتب، أو كهرباء، أو ماء، أو دواء، أو أسطوانة غاز يطهو بها قليلًا من الأمل؟

    لا في الشمال ولا في الجنوب، كان أحد يتصور أن يصل بنا الحال إلى هذا التشظي؛ طاولات متفرقة، وحسابات إقليمية ضيقة، وقرارات أممية – وعلى رأسها القرار (2216) – تحولت مع مرور الوقت من «خارطة طريق» إلى قطعة أثرية تُعرض في متاحف الدبلوماسية، تُستخدم لشرعنة العبث وإطالة أمد الانتظار، بينما يظل المواطن هو الثابت الوحيد، والمشترك الأوحد، في معادلة الخسارة المطلقة.

    كل طرف يعلن أنه يحمل صك الإنقاذ ومفاتيح الفرج، بينما المواطن لا يحمل إلا همَّ يومه، ويعد خسائره بصمت. فبعد أكثر من عقد، تحولت المأساة إلى أرخبيل من الأزمات المركبة؛ أزمة ثقة، وأزمة إدارة، واقتصاد ينزف، وهوية تتجاذبها الاستقطابات، وكأن الزمن لا يمضي بنا نحو الحل، بل يدور في حلقة مفرغة، يضيف في كل دورة طبقة جديدة من التعقيد والتفتيت فوق كل طبقة سابقة.

    ربما لم نصل إلى نهاية المشهد بعد، لكن المؤكد أننا شهدنا محطات مخيفة كنا نظنها يومًا من مستحيلات الواقع. والخوف الحقيقي ليس من استمرار الأزمة، بل من «تطبيع المعاناة» وبلادة الاعتياد، حتى يصبح الاستثناء هو الأمل، ويغدو الحلم الأكبر للإنسان البسيط أن يعيش يومًا عاديًا بكرامة، بلا خوف ولا إذلال.

    وقبل نهاية المشهد، تتضح الحقيقة العارية: لا أحد خرج منتصرًا؛ الجميع خاسرون، وإن تفاوتت أحجام الخسارة، بينما يستعد الفاعلون الدوليون لأن ينفضوا أيديهم من الحكاية، مخلِّفين وراءهم أرضًا مثقلة بالخراب وشعبًا ممزقًا قد تعجز أجيال عن ترميم انكساراته.

    إن المشهد الأخير سيكون بالغ القسوة والإيلام إن لم يتعلم اليمنيون من خطايا هذه السنوات ومآسيها. فالمخرج الحقيقي لن يأتي بطوق نجاة من الخارج، بل بإرادة وطنية تمتلك شجاعة معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية باعتبارها مدخلًا رئيسيًا للاستقرار وبناء سلامٍ دائم. وعندها فقط، قد تستعيد اليمن حكمتها التي باركها رسول الله ﷺ بقوله: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». فهل تُبعث الحكمة من ركام المأساة قبل أن يُسدل الستار؟

المزيد من مقالات (م. عبدالناصر صالح ثابت)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال