لم يعد الحديث عن كهرباء العاصمة عدن والمحافظات المجاورة مجرد شكوى من تردي خدمة؛ بل أصبح حديثاً عن "جريمة إبادة جماعية" تُدار بدم بارد، وتُنَفّذ عبر أدوات تخريبية ممنهجة. في هذا الصيف، وهو الأشد قسوة ولهيبًا، بلغت الكارثة حدًّا لا يطاق، وخلّفت وفيات واختناقات في صفوف المدنيين، ليجد أبناء عدن أنفسهم – بأطفالهم الرُّضع ومسنّيهم – مجبرين على افتراش الشوارع والأرصفة بحثاً عن نسمة هواء في أفظع مشهد مأساوي وتراجيدي تشهده المدينة عبر تاريخها.
- تبخّر الوعود وانقشاع الغبار
منذ عام 2011م، تعاقبت الحكومات، وتغيرت الرئاسات، وتعددت وعود "التحالف العربي" بحل معضلة الطاقة، لكن الوضع يزداد سوءًا وتفاقمًا كل عام. اليوم، انقشع غبار التضليل الإعلامي وسيل الوعود الكاذبة لتتضح الحقيقة المرة التي أقر بها "طرف حكومي خفي": ملف الخدمات والكهرباء في الجنوب هو ملف سياسي بامتياز، وينطوي على سياسات عقاب جماعي، هدفها تركيع شعب الجنوب وإذلاله لابتزازه سياسيًا والقبول بإملاءات مشبوهة.
- من الإهمال إلى التخريب.. سقوط الأقنعة
إلى وقت قريب، كانت الآلة الإعلامية الممنهجة تحمّل "المجلس الانتقالي الجنوبي" وزر هذا الملف باعتباره شريكاً في السلطة أو مستحوذاً على الحقيبة الوزارية. لكن، ومع خروج الانتقالي من الرئاسة والحكومة، وهتاف "المطبلين" بأن أزمة الكهرباء قد ولت؛ تكشّفت الحقائق العارية: ملف الكهرباء ليس مجرد سوء إدارة، بل يُدار كاستثمار قذر للأزمات قائم على أعمال تخريبية مقصودة.
ما يشاع اليوم في الشارع العدني عن وجود أيادٍ خفية تعبث بمحطات التوليد وشبكات التوزيع ليس مجرد شائعات، بل هو التفسير المنطقي الوحيد لإنهاك المنظومة بشكل مفاجئ ومتكرر كلما اقتربت حلول الصيف. تذهب الحكومات في نوم عميق، وتشغل الناس بمعارك جانبية، وتترك العابثين يمارسون تخريبهم الممنهج خلف الكواليس، حتى إذا حل الصيف اللاهب ليكوي الأجساد النحيلة، انطلقت مطابخ "الذباب الإلكتروني" والمنصات المأجورة في معارك كلامية لتبادل التهم وخداع البسطاء، لينتهي الصيف "وكأنك يا بو زيد ما غزيت".
- سياسة السفري.. وإرهاب "قطاع الطرق"
باختصار؛ تُدار سياسة الخدمات بأحقر الممارسات الانتقامية بحق شعب عظيم ضحى بالغالي والنفيس. وكل ما يسمى "معالجات" لا يخرج عن إطار حلول "السفري" المؤقتة والترقيعية التي تقود لنتائج أسوأ؛ بدءًا من استنزاف "الطاقة المشتراة"، ومرورًا بترك العبث بالشبكة وغض الطرف عن أعمال التخريب والكمائن التي تستهدف ناقلات الوقود، وصولًا إلى السلوك الفاضح الذي يمارسه عضو مجلس القيادة الرئاسي، "الخنبشي"، في منع وصول النفط الخام من حضرموت إلى "محطة الرئيس" في عدن، في تصرف تخريبي لا يختلف عن سلوك قطاع الطرق.
أمام هذا المشهد الفادح، وهذا التدمير الممنهج والتخريب المتعمد لمنظومة الطاقة، يقف مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، والتحالف العربي، مكتوفي الأيدي. إن هذا الصمت المريب أمام"العمل التخريبي" والفساد المسيس لا يمكن تفسيره إلا كونه تواطؤاً ومباركةً لهذا الجرم المشهود الذي يُرتكب على مسمع ومرأى من العالم أجمع بحق أبناء عدن والجنوب.
إن سياسة الإذلال بالكهرباء وحروب التخريب الخفية قد بلغت مداها، وتدفع الناس جميعًا إلى نقطة الانفجار، ورفض كل هذه السياسات البشعة والإجرامية بحق وحقيقة.