الثلاثاء, 16 يونيو 2026
129
يدخل مفهوم "التعليق" في المعجم السياسي المعاصر كأحد أكثر الأدوات دقة في تأطير العلاقات غير المتكافئة؛ حيث يُراد للطرف الأضعف أن يظل في منطقة رمادية قاتلة، مسلوب الإرادة والسيادة الكاملة، وفي الوقت عينه، محرومًا من استحقاقات الشراكة أو الرعاية الحقيقية. هذا البرزخ الوجودي، الذي لا يتيح لصاحبه شفاءً ناجزًا ولا يتركه لمصيره الطبيعي، يتجسد اليوم بكامل مرارته في المقاربة الإقليمية، وتحديدًا الشقيقة الكبرى السعودية، تجاه اليمن؛ إذ تبدو السياسة المتبعة مع هذا الجار المنهك متمحورة حول إبقاء الملف معلقًا قسرًا، فلا المملكة تركت اليمن لخياراته الوطنية الخالصة ليعيد صياغة مشتركاته بعيدًا عن الوصاية، ولا هي تعاملت معه بمنطق القوة القائدة التي تفرض عليها مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية إعادة البناء والانتشال الاقتصادي، ليتحول البلد بأسره إلى مساحة مؤجلة، بلا محل من الإعراب في معادلات الاستقرار الإقليمي الكبرى.
المتابع والمتأمل بعمق في تفاصيل المشهد المعيشي والخدمي، والأمني كذلِك، داخل المحافظات التي تقع اسميًا تحت مظلة النفوذ والشرعية المدعومة، يدرك أن هذا الجمود ليس نتاج عجز فني أو قراءة خاطئة، بل هو نمط متكرر لإدارة الضعف وتأبيده؛ فالعاصمة الإقليمية لا تتحرك لإنقاذ الوضع المتهاوي إلا عبر جرعات شحيحة ومدروسة من "المسكنات" الخدمية والإسعافات المالية المؤقتة، وهي تدخلات لا تأتي مدفوعة برؤية استراتيجية للتنمية أو الاستقرار المستدام، وإنما كاستجابة اضطرارية لامتصاص احتقان الشارع وتبريد غليانه كلما بلغت الأزمات ذروتها وخرج الناس غاضبين إلى الميادين. هذا التقتير المحسوب يضمن بقاء الجسد اليمني مستنزفًا وعلى قيد الحياة في آن واحد، في عملية تدوير مستمرة للأزمات تبرع في تقريب النخب الهشة التي لا تملك أهلية، وإبعاد الكفاءات والوجوه الوطنية الوازنة، وهو الفراغ القاتل ذاته الذي بدأ يُفسح المجال اليوم لعودة ملامح وحضور ذلك التنظيم الإرهابي الذي طالما حاربه التحالف العربي بضراوة وتخلص اليمن من كثير من أخطاره وشروره؛ فإذا بمناخات "التعليق" والتفتيت السياسي الراهن تعيد إحياء البيئة المثالية ليتنفس منها التطرف مجددًا، بما يضمن بقاء المشهد العام مهلهلًا وممسكًا بخيوطه من بعيد، دون الاضطرار لدفع كلفة الاستقرار أو تحمل تبعات البناء الحقيقي.
وتتضاعف العبثية السياسية حين يلاحظ المرء إصرار المقاربة الإقليمية على إدارة تفاصيل الملف اليمني وصياغة تفاهماته خارج جغرافيته، مما يكرس الانطباع المرير بأن القرار بات مقتلعًا من بيئته المحلية، وأن معاناة الإنسان هناك، وأمنه المهدد برواسب الإرهاب العائد، ليس سوى تفصيل هامشي في دفتر الحسابات والمساومات الخارجية الكبرى. إن تغليف هذا الانكفاء عن الاستحقاقات بستار من التهدئة المرنة أو المبادرات الهشة لا يمكنه إخفاء الحقيقة الصارخة؛ وهي أن اليمن يُراد له أن يبقى ورقة مناورة مؤجلة على طاولات الانتظار، في وقت يعيش فيه الشعب أسوأ لحظات وجوده المعيشي والخدمي جراء تداعيات هذا التدخل المديد، والذي لم يثمر حتى الآن نموذجًا واحدًا يبعث على الأمل أو يعكس هيبة الدولة الكبرى وقدرتها على البناء.
ثمة رسالة يجب أن تتجاوز حسابات الحرج السياسي والبروتوكول لتصل إلى مراكز القرار في الرياض، هي أن سياسة الإضعاف الممنهج وإبقاء الجار في حالة "التعليق الدائم" خيار يعري تهافت الدور الإقليمي ولا يصنع استقرارًا، بل يهدد بنسف كل ما تم إنجازه في ملفات الأمن الحيوية كمحاربة التطرف، مثلما يُمعن في تمييع قضية الجنوب واستحقاقاتها السياسية العادلة عبر إبقائها هي الأخرى في برزخ الانتظار والتسويف بدلًا من التعاطي المسؤول مع تطلعاتها. فالمسؤولية التاريخية والجغرافية تقتضي اليوم إما حضورًا شجاعًا ومسؤولًا ينهض بالمستحقات الكاملة للجوار ويقدم مشروعًا حقيقيًا للإنقاذ والتمكين، وإما كفّ يد تامة ترفع الوصاية وتترك لليمنيين حرية تقرير مصيرهم وبناء دولتهم أو دولتيهم، أما الاستمرار في إبقاء اليمن برزخًا معلقًا ومستنزفًا، فهو خيار لم تعد تجدي معه المهدئات الموضعية، ولن تحميه صالونات الدبلوماسية من لافتات الحقيقة الطاحنة على الأرض.