أخر تحديث للموقع
الخميس, 02 يوليو 2026 - 12:36 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الدولة العادلة أولًا: عدن نواة الإنقاذ

    نبيل خالد ميسري




    لم تعد أزمة اليمن في نقص الشعارات، فقد جربنا الثورة والاستقلال والوحدة والجمهورية والتحالفات والاتفاقات، لكن السؤال الذي ظل غائبًا أو مؤجلًا هو: أين العدل؟ فالدولة لا تُبنى باسمها، بل بما تقيمه من إنصاف، وما تحفظه من كرامة، وما تمنعه من ظلم.

    تاريخ البشر عرف الملك والجمهورية، حكم الفرد والأسرة والحزب والجماعة، لكن القرآن حسم جوهر الحكم حين قال لداود عليه السلام: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾. فالميزان ليس اسم النظام، بل عدله. ومن دون العدل تصبح كل الأسماء أقنعة: ملكية بلا رحمة، جمهورية بلا شعب، وحدة بلا شراكة، وثورة بلا إنصاف.

    واليمن، جنوبًا وشمالًا، عاش هذه الحقيقة بمرارتها. عبر قرون كانت رقعة الحكم تتسع وتضيق بحسب القوة؛ من قَوِيَ حكم، ومن ضعف فقد. ثم جاء العصر الحديث بدولتين معترف بهما قبل وحدة 1990. وكانت الوحدة فرصة تاريخية، لكنها فشلت حين غاب العقد العادل، وجاءت حرب 1994 لتكسر روح الشراكة، وتحوّل الوحدة في وعي واسع إلى غلبة وإقصاء ونهب وجرح عميق.

    والإنصاف يقتضي أن نعترف أن الفشل لم يكن في الوحدة وحدها. فالشمال فشل في بناء جمهورية عادلة تكسر بنية الفساد والغلبة، والجنوب، رغم تفوقه النسبي في النظام والتعليم والصحة وحضور الدولة، فشل في حماية التعدد والحريات ومنع الصراعات الداخلية. لذلك لا يجوز أن نعيد الماضي بأسماء جديدة: لا وحدة بالقوة، ولا انفصال بالثأر، ولا شرعية بلا عدل، ولا قضية بلا مؤسسات.

    اليمن يحتاج إلى دولة عادلة، لكن الواقعية تقول إن النموذج لا يبدأ من الخرائط الكبرى، بل من الأرض الأكثر استعدادًا. والجنوب، ولا سيما عدن، هو البداية الممكنة: أرض محررة في معظمها، ذاكرة دولة، مطلب سياسي واضح، وتاريخ مدني وميناء وموقع وتنوع قادر على صناعة نموذج إذا توفرت الإرادة والنزاهة.

    عدن ليست مشروعًا ضد أحد، بل برهانًا لصالح الجميع. فإذا نجحنا فيها في الكهرباء والماء والرواتب والقضاء والنظافة والأمن والشفافية، فإننا لا نبني مدينة فقط، بل نثبت أن الدولة العادلة ممكنة. ومن عدن يمكن أن يمتد النموذج إلى بقية الجنوب، ثم يُفتح لاحقًا أفق عادل مع الشمال، لا على قاعدة الغلبة، بل على الاختيار والإنصاف والمصلحة المشتركة.

    وأي حل قادم يجب أن يبدأ من الاعتراف: الظلم وقع، والحقوق انتهكت، والجنوب له مظالم سياسية وحقوقية عميقة، والشمال دفع أيضًا ثمن بنية حكم فاسدة وحروب متكررة. لكن الاعتراف وحده لا يكفي؛ لا بد من ضمانات: عقد سياسي واضح، قضاء مستقل، محاسبة، توزيع منصف للثروة، إدارة محلية حقيقية، جيش وأمن خارج الولاءات، وجبر ضرر ورد حقوق، خصوصًا ما ترتب على حرب 1994 وما بعدها.

    لقد أثبتت القوة أنها لا تدوم. توسع حكم ثم انحسر، وسقطت عروش، وتبدلت جمهوريات، وبقيت المظلومية حين غاب العدل. لذلك فإن أقوى مشروع اليوم ليس مشروع الغلبة، بل مشروع النموذج. نبدأ بعدن، لا لأنها وحدها الوطن، بل لأنها الباب العملي لإثبات أن العدل هو الطريق الوحيد لبقاء الأوطان.

    لا شرعية بلا عدل، ولا دولة بلا إنسان، ولا مستقبل بلا نموذج ناجح. واليمن لا يحتاج إلى شعار جديد، بل إلى ضمير سياسي جديد: يعترف، ينصف، يصالح، ويؤسس. وعدن يمكن أن تكون البداية، إذا تحولت من مدينة منهكة إلى نواة دولة عادلة، ومن ذاكرة مظلومة إلى دليل حي على أن العدل، لا القوة، هو ما يصنع الشرعية والبقاء.

    * نائب وزير الخارجية الأسبق

المزيد من مقالات (نبيل خالد ميسري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال