الأربعاء, 22 يوليو 2026
119
كانت الإدارة البريطانية تدخل صراعا قويا مع دعاة الجنوب العربي بصيغة رابطة أبناء الجنوب العربي (اتحاد الجنوب العربي) بأساطينها الكبار السلطان علي عبدالكريم و محمد علي الجفري .. مقابل مشروعها (اتحاد محميات الجنوب العربي) تكون عدن المستعمرة محوره ومركزه.
بينما الصيغة الأولى التي ظل السلطان الثائر علي عبدالكريم عاضا عليها بالنواجذ تبدو من الوهلة الأولى مناداة بالاستقلال لكيانات الجنوب وبالأساس عدن. وحل مشكلة السلطة بالاتحاد الفيدرالي بالحفاظ على الأشكال القائمة والهوية المحلية، وأفراد مساحة للهيئات السيادية كالجيش والثروات والخارجية ويكون لعدن امتيازات خاصة كعاصمة للدولة الاتحادية الجديدة.
هذا الشكل لم يتحقق ودفع أربابه ضريبة شديدة الوطأة من التشريد والقمع وقصف كور العوالق واحتلال لحج وفقدان السلطان علي سلطنته عام 1958م.
كان السلطان علي عبدالكريم قد أجاد إدارة الصراع مع أقطاب الإدارة البريطانية في عدن بسعة ثقافته وطلاقة لغته الإنجليزية وتفرده بين أرباب العائلة العبدلية من داخل الحكم أو خارجه بكاريزما الشاب المتألق مواكبة للأحداث العربية والعالمية وفهمه بأن استمرار حقبة الاستعمار هي سباحة ضد تيار العصر، ناهيك عن تفرده بين أقرانه الأمراء بالكعب الأعلى في الأملاك الزراعية والعقارية والمالية.
وتجمعت حوله نخبة من الشباب حبلها السري العمل الوطني، تجلياتها الإبداع الشعري والرياضي والمسرحي والكتابة الصحفية.
وكان صالح فقيه يفلسف الشعر ويشحنه بومضات سياسية ضمن أنساق عاطفية تجعله يتماهى في المشيئة الجماهيرية المتلقية تعاطيا وتعاطفا وإدراكا لمشروع السلطان الثائر.
يقول الشاعر صالح فقيه:
قال بوزيد جاني علم ما هو سوى
نكد علي هيج أشجاني وعطل مزاجي
يوم قالوا عجمتوا ما تردوا الجواب
ما هكذا كان ظني وا رجال المحاجي
قرح الطبل ركب شرح بايشترح
قلنا على أيش هذا قال حفلة زواجي
شل بنك ودور ناس من غيرنا
إن كان شي باتحصل في الأوادم مواجي
وين ذي ما يهموا اللوم وقت الحساب
عن بيعة الرخص لا تمت بسوق الحراجي
كيف نسمح لمن جانا بحيلة جديد
يريد بعلق سراجه لأجل يطفي سراجي
وقت ما الناس تتحرر تبونا عبيد
نسلم الأمر نصبح بين خاضع و لاجي
يصبحوا تحت أمر الديك يلعب بهم
وإن حد تعرض بكلمة قال ذولا دجاجي
بالعبادل ويافع واهل فضل الرجاء
والعولقي والكثيري عادني اليوم راجي
ذي لكم غارات جملة منعكم كلكم
لا ترهبوا الموت ما واحد من الموت ناجي
لا جدال أن قصيدة الفقيه توضح الصراع بين فكرتي الجنوب العربي؛ الاتحاد الكامل لكل الجنوب تحت مسمى اتحاد الجنوب العربي (الرابطة - علي عبدالكريم) والفكرة البريطانية (محميات الجنوب العربي) منقوصة المحميات الشرقية حضرموت والمهرة ومناطق من شبوه وهيمنة تبقى بريطانية ابتداء من 1958-1967م، والذي عبر عنه الشاعر بقوله:
كيف نسمح لمن جانا بحيلة جديد
يريد يعلق سراجه لاجل يطفي سراجي
وبعيدا عن الفكرة المثالية؛ للجنوب العربي، التي لم تر النور، وقادت أيقونتها السلطان الثائر علي عبدالكريم إلى فقدان عرشه وهروبه إلى مصر، فإن الفكرة الثانية التي رعاها الإنجليز في ظل غليان شعبي رافض لها، تأججه الأحزاب والتنظيمات القومية والنقابات إبان موجة الغليان التحرري العربي الذي قاده الزعيم جمال عبدالناصر، فإن هذه التجربة - للأمانة والتاريخ - لا تخلو أيضًا؛ من إيجابيات. حيث حلت مسألة السلطة بتدوير الحكم بين الكل تحت مرجعية تشريعية دقيقة تراقب الأداء العام للوزراء.
ويبقى أن رفعة شعار (الجنوب العربي) بعد حرب 2015م الظالمة؛ تحت علم الحزب الاشتراكي. دون دراية بالتفاصيل التي يعنيها (جنوب عربي) وحق الكيانات الجنوبية المختلفة من السلطنات والإمارات والمشيخات..إلخ السابقة أن تحافظ على هوياتها المحلية وفي التوزيع العادل للمناصب السيادية والثروة ضمن ضوابط كونفدرالية واضحة، أسوة بدول العالم الأخرى الآخذة بهذا النهج.
لا أن تهيمن منطقة أو قرية أو قبيلة على الجنوب وتصبح أم الحواضر المدنية عدن ولحج وحضرموت مقصية ومهمشة استمرارًا
لمسلسل الإقصاء المشين الذي بدأ بالاستقلال في نوفمبر 1967م ومازالت حلقاته تتوالى.