أخر تحديث للموقع
الخميس, 23 يوليو 2026 - 12:01 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • تقارب الرياض وأبوظبي .. بوابة الحل في اليمن والجنوب العربي

    أ.د. أحمد الشاعر باسردة




    يشهد الإقليم اليوم حالة إعادة تشكل عميقة في موازين القوى والتحالفات، وفي قلب هذه التحولات يبرز التقارب المتجدد بين السعودية والإمارات بوصفه مؤشرًا على انتقال المنطقة من مرحلة الصدامات المفتوحة إلى إدارة المصالح بواقعية أكثر براغماتية. هذا التقارب لا يمكن قراءته بمعزل عن الملف اليمني، ولا سيما الجنوب العربي، الذي لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في معادلة الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية.

    إن عودة العلاقات بين الرياض وأبوظبي، حتى وإن جاءت بصيغة “تنسيق الضرورة” لا “تحالف التطابق”، تحمل في طياتها فرصة سياسية نادرة للجنوب، لكنها في الوقت ذاته تضعه أمام اختبار داخلي حاسم. فالقضية الجنوبية، التي راكمت عبر سنوات من النضال حضورًا سياسيًا وشعبيًا، تجد نفسها اليوم أمام لحظة يمكن أن تتحول فيها من قضية مطلبية إلى مشروع دولة، إذا ما أُحسن استثمار التحولات الجارية.

    الواقع يشير إلى أن القوى الإقليمية لم تعد تنظر إلى اليمن كوحدة سياسية صلبة قابلة لإعادة الإنتاج، بل كجغرافيا متعددة المسارات تحتاج إلى حلول مرنة. وفي هذا السياق، يبرز الجنوب بوصفه كيانًا له خصوصيته التاريخية والسياسية، ما يجعل فكرة استعادة الدولة وفك الارتباط مع الشمال خيارًا مطروحًا بقوة، ليس فقط كشعار سياسي، بل كأحد السيناريوهات الواقعية التي يمكن أن تنهي حالة الاستنزاف المستمرة.

    غير أن هذه الفرصة لا يمكن أن تتحقق في ظل الانقسام الجنوبي–الجنوبي، الذي يمثل التحدي الأكبر أمام أي مشروع وطني جامع. فالتباينات السياسية والمناطقية، وإرث الصراعات السابقة، ما تزال تلقي بظلالها على المشهد، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية لتوظيف هذا الانقسام بما يخدم مصالحها. ومن هنا، فإن أي حديث عن استعادة الدولة يظل ناقصًا ما لم يُسبَق بمصالحة جنوبية حقيقية تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشراكة لا الإقصاء.

    إن لملمة الشمل الجنوبي لا تعني بالضرورة ذوبان الاختلافات، بل إدارتها ضمن إطار وطني جامع يحدد الأولويات ويضع مصلحة الجنوب فوق أي اعتبارات ضيقة. ويتطلب ذلك حوارًا شاملًا يفضي إلى صياغة ميثاق سياسي يحدد شكل الدولة القادمة، ونظامها، وآليات تقاسم السلطة، بما يضمن عدم تكرار تجارب الصراع السابقة. فالدولة التي يسعى إليها الجنوبيون لا يمكن أن تُبنى على نفس أسباب الانقسام التي أدت إلى فقدانها.

    في المقابل، فإن العلاقة مع الشمال تحتاج إلى إعادة تعريف بعيدًا عن منطق الصراع الصفري. ففك الارتباط، إن تحقق، لا يعني بالضرورة الدخول في حالة عداء دائم، بل يمكن أن يفتح الباب أمام علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي، إذا ما تم التعامل معه بعقلانية سياسية. وهنا يبرز دور التقارب السعودي – الإماراتي كعامل يمكن أن يوفر مظلة إقليمية لأي ترتيبات مستقبلية، سواء في شكل دولتين أو صيغة أخرى يتم التوافق عليها.

    عدن، في هذا السياق، ليست مجرد عاصمة مؤقتة أو مركز إداري، بل تمثل جوهر المشروع الجنوبي. فإعادة الحياة إلى عدن، اقتصاديًا وخدميًا وأمنيًا، هو الاختبار الحقيقي لجدية أي مشروع سياسي. لا يمكن إقناع الداخل أو الخارج بجدوى استعادة الدولة في ظل مدينة تعاني من انهيار الخدمات وتدهور البنية التحتية. إن نجاح عدن في استعادة دورها التاريخي كميناء ومركز اقتصادي سيمنح القضية الجنوبية زخمًا حقيقيًا، ويحولها من خطاب سياسي إلى واقع ملموس.

    وفي ظل التقارب الخليجي، تبدو السيناريوهات مفتوحة على احتمالات متعددة، إلا أن أكثرها واقعية هو ذلك الذي يقوم على تفاهم سعودي–إماراتي لإدارة الملف اليمني بطريقة تقلل من الصراع وتفتح المجال لحلول تدريجية. وفي هذا الإطار، قد يحظى الجنوب بدعم سياسي واقتصادي يمكنه من تثبيت وضعه ككيان مستقل فعليًا، تمهيدًا للاعتراف به رسميًا في مرحلة لاحقة. لكن هذا السيناريو يظل مشروطًا بقدرة الجنوبيين أنفسهم على تقديم نموذج مستقر وقابل للحياة.

    أما في حال استمرار الانقسام الداخلي، فإن الجنوب قد يتحول مرة أخرى إلى ورقة تفاوض تُستخدم في صفقات إقليمية، دون أن يحقق تطلعات شعبه. وهنا تكمن المفارقة: فبينما تفتح التحولات الخارجية نافذة فرصة، قد يغلقها الداخل إذا لم يُحسن التعامل معها.

    إن حل القضية الجنوبية لا يمثل فقط استجابة لتطلعات شعب الجنوب، بل قد يشكل مدخلًا لحل الأزمة اليمنية بشكل عام. فالإصرار على إعادة إنتاج وحدة أثبتت فشلها لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، بينما الاعتراف بالواقع وفتح المجال لحلول جديدة قد يساهم في بناء استقرار أكثر استدامة في المنطقة.

    في النهاية، لا يمكن اختزال مستقبل الجنوب في قرارات تُتخذ خارج حدوده، مهما كان تأثير القوى الإقليمية كبيرًا. فالتقارب بين الرياض وأبوظبي قد يخلق البيئة المناسبة، لكنه لا يصنع الحل وحده. الحل يبدأ من الداخل، من قدرة الجنوبيين على تجاوز خلافاتهم، وتوحيد رؤيتهم، وبناء مشروع وطني يستحق الدعم.

    تلك هي اللحظة التي يقف فيها الجنوب على مفترق طرق: إما أن يتحول إلى فاعل رئيسي يصنع مستقبله، أو أن يبقى ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين. والفرق بين الخيارين لا تصنعه التحالفات الخارجية، بل الإرادة الداخلية التي إن توفرت، يمكن لعدن أن تعود مرة أخرى بوابة للحل، لا بوابة للأزمات.

    * رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن

المزيد من مقالات (أ.د. أحمد الشاعر باسردة)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال