لا يمكن قراءة الموقف الأمريكي من القضية الجنوبية بمعزل عن التحولات الجيوسياسية في المنطقة، ولا عن طبيعة المصالح التي تحكم سلوك واشنطن في الخليج والبحر العربي. فالإدارة الأمريكية، تاريخيًا، لم تكن تتحرك بدوافع أيديولوجية أو عاطفية تجاه قضايا الشعوب بقدر ما تنطلق من حسابات دقيقة ترتبط بالأمن القومي، وحماية خطوط الملاحة الدولية، وضمان استقرار حلفائها، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي. ومن هذا المنظور، فإن فكرة عدم ممانعة الولايات المتحدة لقيام دولة جنوبية في عدن لا تأتي كمنحة سياسية بقدر ما يمكن فهمها كخيار محتمل ضمن سيناريوهات إعادة ترتيب المشهد في اليمن والمنطقة.
الجنوب العربي، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي المطل على أهم الممرات البحرية في العالم، يشكل نقطة ارتكاز في معادلة الأمن البحري الدولي، حيث يمر عبر باب المندب جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة. هذه الحقيقة تجعل أي فراغ أمني أو فوضى مستمرة في هذه المنطقة مصدر قلق مباشر للولايات المتحدة وحلفائها. ومن هنا، فإن بروز كيان جنوبي مستقر، يمتلك مؤسسات قادرة على ضبط الأمن ومحاربة الإرهاب، يمكن أن يُنظر إليه في واشنطن كعامل استقرار وليس كتهديد، خاصة إذا ما كان هذا الكيان منفتحاً على الشراكة الإقليمية والدولية.
في السنوات الأخيرة، أظهرت التجربة أن وحدة اليمن بصيغتها التي قامت عام 1990 لم تعد قادرة على إنتاج دولة مستقرة، بل تحولت إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى محلية وإقليمية، الأمر الذي أضعف مؤسسات الدولة وخلق بيئة خصبة للجماعات المتطرفة. هذا الواقع دفع العديد من مراكز التفكير الغربية إلى إعادة تقييم جدوى الإبقاء على نموذج الدولة الموحدة، وفتح الباب أمام التفكير في حلول بديلة، من بينها الفيدرالية أو حتى الانفصال المنظم. وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن دولة جنوبية من المحرمات السياسية في الدوائر الغربية، بل أصبح خيارًا يُناقش ضمن مقاربات الحل.
غير أن عدم الممانعة الأمريكية، لا تعني بالضرورة دعمًا صريحًا أو تبنيًا مباشرًا. فالسياسة الأمريكية غالبًا ما تفضل العمل من خلف الستار، وتترك المجال للتطورات المحلية والإقليمية كي تنضج قبل أن تعلن موقفًا واضحًا. كما أنها تحرص على عدم إغضاب شركائها الدوليين أو خلق سوابق قد تُستخدم في مناطق أخرى من العالم. لذلك، فإن أي قبول أمريكي بقيام دولة جنوبية سيبقى مشروطاً بجملة من العوامل، أبرزها قدرة الجنوبيين على توحيد صفوفهم، وبناء مؤسسات فاعلة، وتقديم نموذج سياسي مقنع يحظى بقبول شعبي واسع.
من جانب آخر، تلعب الاعتبارات الإقليمية دورًا حاسمًا في تشكيل الموقف الأمريكي. فدول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، لها مصالح مباشرة في استقرار الجنوب، وقد أظهرت خلال السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بدعم القوى الجنوبية. وإذا ما تبلور توافق إقليمي حول صيغة معينة لمستقبل الجنوب، فإن واشنطن غالبًا ما تميل إلى دعم هذا التوجه أو على الأقل عدم معارضته، طالما أنه يخدم هدف الاستقرار ويحد من نفوذ الخصوم، خصوصاً إيران.
كما أن الحرب على الإرهاب تظل عاملًا محوريًا في الحسابات الأمريكية. فالجنوب، بما يمتلكه من تجربة في محاربة التنظيمات المتطرفة، يمكن أن يقدم نفسه كشريك موثوق في هذا الملف، وهو ما يعزز من فرص تقبله دوليًا. الولايات المتحدة تبحث دائماً عن شركاء محليين قادرين على إدارة الأرض بفعالية دون الحاجة إلى تدخل مباشر، ودولة جنوبية مستقرة قد تندرج ضمن هذا الإطار إذا ما أثبتت قدرتها على ذلك.
في المحصلة، يمكن القول إن واشنطن لا تنظر إلى قيام دولة جنوبية في عدن كقضية مبدئية بقدر ما تتعامل معها كخيار سياسي مرن يخضع لمعادلة المصالح. فإذا ما توفرت الظروف التي تجعل من هذا الخيار ضمانة للأمن والاستقرار في جنوب الجزيرة العربية، فلن تكون الولايات المتحدة في موقع الرفض، بل ربما تجد فيه مخرجًا عمليًا لأزمة استعصت على الحل لسنوات طويلة. أما إذا ظل الجنوب منقسماً أو عاجزاً عن تقديم نموذج مستقر، فإن الموقف الأمريكي سيبقى متحفظاً، مفضلاً الإبقاء على الوضع القائم أو البحث عن بدائل أخرى
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن
الجنوب العربي، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي المطل على أهم الممرات البحرية في العالم، يشكل نقطة ارتكاز في معادلة الأمن البحري الدولي، حيث يمر عبر باب المندب جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة. هذه الحقيقة تجعل أي فراغ أمني أو فوضى مستمرة في هذه المنطقة مصدر قلق مباشر للولايات المتحدة وحلفائها. ومن هنا، فإن بروز كيان جنوبي مستقر، يمتلك مؤسسات قادرة على ضبط الأمن ومحاربة الإرهاب، يمكن أن يُنظر إليه في واشنطن كعامل استقرار وليس كتهديد، خاصة إذا ما كان هذا الكيان منفتحاً على الشراكة الإقليمية والدولية.
في السنوات الأخيرة، أظهرت التجربة أن وحدة اليمن بصيغتها التي قامت عام 1990 لم تعد قادرة على إنتاج دولة مستقرة، بل تحولت إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى محلية وإقليمية، الأمر الذي أضعف مؤسسات الدولة وخلق بيئة خصبة للجماعات المتطرفة. هذا الواقع دفع العديد من مراكز التفكير الغربية إلى إعادة تقييم جدوى الإبقاء على نموذج الدولة الموحدة، وفتح الباب أمام التفكير في حلول بديلة، من بينها الفيدرالية أو حتى الانفصال المنظم. وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن دولة جنوبية من المحرمات السياسية في الدوائر الغربية، بل أصبح خيارًا يُناقش ضمن مقاربات الحل.
غير أن عدم الممانعة الأمريكية، لا تعني بالضرورة دعمًا صريحًا أو تبنيًا مباشرًا. فالسياسة الأمريكية غالبًا ما تفضل العمل من خلف الستار، وتترك المجال للتطورات المحلية والإقليمية كي تنضج قبل أن تعلن موقفًا واضحًا. كما أنها تحرص على عدم إغضاب شركائها الدوليين أو خلق سوابق قد تُستخدم في مناطق أخرى من العالم. لذلك، فإن أي قبول أمريكي بقيام دولة جنوبية سيبقى مشروطاً بجملة من العوامل، أبرزها قدرة الجنوبيين على توحيد صفوفهم، وبناء مؤسسات فاعلة، وتقديم نموذج سياسي مقنع يحظى بقبول شعبي واسع.
من جانب آخر، تلعب الاعتبارات الإقليمية دورًا حاسمًا في تشكيل الموقف الأمريكي. فدول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، لها مصالح مباشرة في استقرار الجنوب، وقد أظهرت خلال السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بدعم القوى الجنوبية. وإذا ما تبلور توافق إقليمي حول صيغة معينة لمستقبل الجنوب، فإن واشنطن غالبًا ما تميل إلى دعم هذا التوجه أو على الأقل عدم معارضته، طالما أنه يخدم هدف الاستقرار ويحد من نفوذ الخصوم، خصوصاً إيران.
كما أن الحرب على الإرهاب تظل عاملًا محوريًا في الحسابات الأمريكية. فالجنوب، بما يمتلكه من تجربة في محاربة التنظيمات المتطرفة، يمكن أن يقدم نفسه كشريك موثوق في هذا الملف، وهو ما يعزز من فرص تقبله دوليًا. الولايات المتحدة تبحث دائماً عن شركاء محليين قادرين على إدارة الأرض بفعالية دون الحاجة إلى تدخل مباشر، ودولة جنوبية مستقرة قد تندرج ضمن هذا الإطار إذا ما أثبتت قدرتها على ذلك.
في المحصلة، يمكن القول إن واشنطن لا تنظر إلى قيام دولة جنوبية في عدن كقضية مبدئية بقدر ما تتعامل معها كخيار سياسي مرن يخضع لمعادلة المصالح. فإذا ما توفرت الظروف التي تجعل من هذا الخيار ضمانة للأمن والاستقرار في جنوب الجزيرة العربية، فلن تكون الولايات المتحدة في موقع الرفض، بل ربما تجد فيه مخرجًا عمليًا لأزمة استعصت على الحل لسنوات طويلة. أما إذا ظل الجنوب منقسماً أو عاجزاً عن تقديم نموذج مستقر، فإن الموقف الأمريكي سيبقى متحفظاً، مفضلاً الإبقاء على الوضع القائم أو البحث عن بدائل أخرى
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن




















