الأحد, 02 أغسطس 2026
106
لعله من التبسيط المخل اختزال مفهوم "رجل الدولة" في مجرد شاغل لمنصب رفيع، أو متحدث بارع يجيد اعتلاء المنصات وإطلاق الوعود، فالسياسة في عالمنا العربي، وفي واقعنا المحلي على وجه الخصوص، تكتظ بهؤلاء الذين يملأون الفضاء ضجيجاً دون أن يتركوا أثراً في مداميك البناء.
إن تفكيك هذا المفهوم يعيدنا إلى الفارق الجوهري والقديم بين "السياسي العابر" و"رجل الدولة الراسخ"؛ فالأول يعيش على الأزمة ويتغذى من تقلباتها ويتحرك بحسابات الربح والخسارة الفورية لشخصه أو قبيلته أو فصيله، بينما الثاني هو ذاك الذي يرى في الأزمة امتحاناً لقدرة الكيان العام على البقاء، ويتحرك بحسابات الجيل القادم لا الانتخابات القادمة أو الغنيمة الراهنة.
رجل الدولة هو، بالتعريف التأسيسي، تجسيد للمؤسسة في وعيها وسلوكها، وهو الشخصية التي تتقن التنازل عن الامتياز الذاتي والمناطقي لصالح المصلحة العليا، وتمتلك من الشجاعة ما يكفي لاتخاذ قرارات غير شعبية لكنها ضرورية لإنقاذ المجموع، مستندة إلى كاريزما لا تنبع من السلاح أو المال السياسي، بل من مشروعية الأداء ونزاهة المقصد.
هذه المواصفات لا تولد في أو من فراغ، بل هي نتاج عوامل موضوعية تبدأ من الوعي التاريخي العميق وتنتهي بالمرور في دهاليز العمل المؤسسي المتدرج، حيث يتعلم المرء أن إدارة شؤون الناس ليست تشريفاً بل هي هندسة معقدة للتوازنات. ومن هنا تبرز خصائصهم في القدرة على الصبر الاستراتيجي، وفن التسوية دون التفريط في الثوابت، واستيعاب الخصوم بدلاً من سحقهم، لأن رجل الدولة يدرك أن إقصاء أي مكون هو وصفة مؤجلة لانفجار قادم.
ومع ذلك، فإن هذه الشريحة من البشر ليست منزهة عن الخطأ، وتاريخ رجالات الدولة مشحون بالتناقضات والمثالب؛ فهم في كثير من الأحيان يسقطون في فخ النخبوية والتعالي على الجماهير، أو يصابون بجمود بيروقراطي يعجز عن مواكبة التحولات السريعة في الشارع، والأخطر من ذلك هو نزوعهم أحياناً إلى تغليب "منطق الدولة" الصارم على حساب العدالة والحرية الفردية، مما يوقعهم في خطيئة التواطؤ مع الاستبداد أو السكوت عن الفساد الهيكلي بذريعة الحفاظ على الاستقرار.
وإذا ما أسقطنا هذا التفكيك النظري على الواقع اليمني، والجنوبي منه بشكل أكثر الحاحاً، فإن المواطن المحلي يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة تتجلى في الفجوة الهائلة بين ماضٍ كان يزخر بملامح هذه الشخصيات وحاضر يكاد يشكو من قحطها.
في التجربة التاريخية للجنوب، وعلى الرغم من كل التحفظات الأيديولوجية والسياسية على حقبة ما قبل الوحدة، برز نموذج لـ "رجل الدولة التكنوقراطي"؛ ذاك الموظف أو المسؤول الذي كان يحترم النظم واللوائح، ويقدس الوظيفة العامة، ويعيش ويموت دون أن تتضخم ثروته على حساب لقمة عيش المواطن. كانت هناك هيبة للمؤسسة، وكان هناك سلوك منضبط يعكس وعياً بوجود سقف عام يحمي الجميع. أما في الشمال، فقد كانت رجالة الدولة محكومة بمهارات نسج التوازنات المعقدة بين القبلي والعسكري والمدني، وهي مهارات أنتجت أحياناً شخصيات قادرة على تسيير مركب البلاد وسط العواصف، لكنها عجزت في المحصلة عن بناء مؤسسات راسخة تتجاوز غياب الأشخاص.
إن الكارثة الراهنة التي يعيشها المواطن اليمني والجنوبي اليوم، منذ زلزال 2011 وانفجار حرب 2015 وحتى هذه اللحظة، تلخصها حقيقة واحدة: غياب رجل الدولة لحساب "قائد الفصيل" أو "أمير الحرب" أو "المقاول السياسي". المواطن في عدن، أو المكلا، أو تعز، أو صنعاء، لم يعد يرى مسؤولي الدولة كحماة للمصلحة العامة، بل يراهم كأطراف في صراع محاصصة على الموارد والقرار، يفتقرون إلى الحد الأدنى من السلوك المؤسسي.
لقد تحولت الوظيفة العامة إلى غنيمة فئوية، باردة أم ساخنة، وغابت تلك الشخصيات التي كانت تمتلك القدرة على التحدث بلغة جامعة تتجاوز الخطاب التعبوي الضيق. هذا الغياب أنتج أخطاءً استراتيجية قاتلة في إدارة المناطق المحررة وفي صياغة التحالفات، حيث سادت العشوائية والارتجال، وتم تقديم الولاء على الكفاءة، مما أدى إلى تآكل هيبة ما تبقى من هيكل الدولة في نظر المواطن المطحون بأزمات الخدمات والعملة المنهارة.
ومن تناقضات المرحلة الراهنة محلياً، أن ركام الحرب أفرز قيادات تمتلك نفوذاً واقعياً كبيراً وسيطرة على الأرض، لكنها تفشل باستمرار في التحول إلى "رجال دولة"؛ فهي تظل مسكونة بعقلية المعارضة أو المقاومة أو الغنيمة، عاجزة عن الانتقال إلى عقليات البناء والمسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المواطن البسيط الذي لا يعنيه بريق الشعارات بقدر ما يعنيه انتظام راتبه وتوفر الكهرباء وأمن الشارع.
إن حاجة الواقع اليمني والجنوبي اليوم إلى استعادة مفهوم "رجل الدولة" ليست ترفاً فكرياً أو حنيناً رومانسياً إلى الماضي، بل هي مسألة وجودية؛ إذ لا يمكن الخروج من نفق التشرذم الحالي إلا بظهور نخبة سياسية تدرك أن قوة القائد لا تقاس بعدد الأطقم العسكرية التي تتبعه، بل بمدى خضوعه للنظام والقانون، وبقدرته على بناء مؤسسة تستمر من بعده وتتسع لكل أبناء الوطن دون تمييز أو إقصاء أو تهميش.