الجمعة, 07 أغسطس 2026
116
هناك صحفٌ تواكب الأحداث، وهناك صحفٌ تصنع الوعي وتحفظ ذاكرة الأوطان. ومن هذا المقام كانت «الأيام»، وستظل.
في الذكرى الثامنة والستين لصدور صحيفة «الأيام»، لا أكتب كلمات تهنئة عابرة بقدر ما أكتب شهادة وفاء وتقدير لصرحٍ إعلامي عريق، استطاع عبر عقود أن يحجز لنفسه مكانةً استثنائية في وجدان الوطن وذاكرة أبنائه، وأن يبقى عنوانًا للمهنية، ومنبرًا للحقيقة، ومدرسةً في الصحافة والسياسة والثقافة.
ثمانية وستون عامًا ليست مجرد سنوات في عمر صحيفة، بل مسيرة حافلة بالكفاح والإبداع والتميز، سطرتها أجيالٌ آمنت بأن الصحافة رسالة وطنية وأخلاقية قبل أن تكون مهنة، وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون فعلًا من أفعال البناء، وسلاحًا للدفاع عن الحقيقة، وجسرًا يربط الإنسان بوطنه، والحاضر بتاريخه، والواقع بأفق المستقبل.
لقد رسخت «الأيام» مكانتها بما عُرفت به من مهنية رفيعة، ومصداقية راسخة، وسبقٍ إعلامي، ومواقف وطنية مسؤولة، واحترامٍ لعقل القارئ، وإيمانٍ عميق بأن الحقيقة هي رأس مال الصحافة وأغلى ما تملك. ولذلك لم تكن مجرد ناقلٍ للأحداث، بل شريكًا في صناعة الوعي، وحافظةً لذاكرة المجتمع، ومرجعًا موثوقًا لكل من يبحث عن الخبر الدقيق، والرأي الرصين، والتحليل المتوازن.
كما لم تقتصر رسالتها على العمل الصحفي، بل أسهمت في إثراء الحياة الثقافية والفكرية، واحتضنت الأقلام المبدعة، وفتحت صفحاتها للحوار المسؤول، فأصبحت مدرسةً حقيقية خرّجت أجيالًا من الصحفيين والكتّاب والمثقفين، ورسخت قيم المهنية والاستقلالية واحترام الكلمة.
ولعل سر خلود «الأيام» لا يكمن في أنها تنشر الأخبار، فالأخبار يطويها الزمن، وإنما في أنها صنعت الثقة، والثقة هي العملة النادرة في عالم الإعلام. ولذلك بقيت قريبةً من قرائها، حاضرةً في بيوتهم، ومرافقةً لتفاصيل أيامهم، حتى أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية.
وأنا واحد من أولئك القراء الذين ارتبطوا بهذه الصحيفة ارتباطًا وجدانيًا؛ فلا يكاد يبدأ يومي إلا بزيارة «الأيام»، والتجوال بين صفحاتها، واستكشاف ما تحمله من أخبار وتحليلات ومقالات ودراسات. أقرأها لا لأعرف ما حدث فحسب، بل لأفهم ما وراء الحدث، ولأنني أجد فيها احترامًا للقارئ، ورصانةً في الطرح، وعمقًا في المعالجة، وهي قيم أصبحت اليوم أكثر ندرةً وأشد حاجة.
ولا يكتمل الحديث عن «الأيام» دون الوقوف بإجلال أمام مؤسسيها الرواد، الذين آمنوا برسالة الصحافة الحرة، ووضعوا اللبنات الأولى لهذا الصرح الشامخ، فاستحقوا أن يُخلدوا في ذاكرة الإعلام الوطني. رحمهم الله رحمةً واسعة، وجزاهم خير الجزاء على ما قدموه للوطن وللكلمة الحرة.
كما نستحضر بكل تقدير وامتنان الدور الكبير الذي اضطلعت به أسرة باشراحيل، التي ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بتاريخ «الأيام»، وقدمت نموذجًا مضيئًا في الإخلاص للمهنة، والإيمان بحرية الكلمة، والصمود في مواجهة التحديات. فكان عطاؤها جزءًا أصيلًا من تاريخ الصحافة الوطنية، وإرثًا سيظل موضع اعتزاز لكل من يعرف قيمة الإعلام الحر.
وإنني، في هذه المناسبة الغالية، أتوجه بخالص التهاني والتبريكات إلى رئيس تحرير الصحيفة، وإلى هيئة التحرير، والمحررين، والكتّاب، والمراسلين، وجميع العاملين فيها، الذين يواصلون حمل هذه الرسالة النبيلة بإخلاص واقتدار، كما أهنئ قراء «الأيام» الأوفياء، الذين كانوا، ولا يزالون، الشريك الحقيقي في نجاحها واستمرارها.
ثمانية وستون عامًا من الريادة ليست رقمًا في سجل الزمن، بل تاريخٌ من الإنجاز، وإرثٌ من المهنية، ومسيرةٌ حفرت اسم «الأيام» في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه، حتى غدت جزءًا من تاريخه الحديث، وشاهدًا على محطاته الكبرى، ومرجعًا يحفظ للأحداث صدقها وللكلمة شرفها.
ستبقى «الأيام»، بإذن الله، ذاكرةً للوطن، وسجلًا لتاريخه، ومنبرًا للكلمة الحرة التي لا تنحني إلا للحقيقة، ومنارةً للفكر والثقافة، ومدرسةً يتعلم منها كل من يؤمن بأن الصحافة رسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنة، وأن مسؤولية الكلمة لا تقل شأنًا عن مسؤولية صناعة التاريخ.
كل عام وصحيفة «الأيام» أكثر إشراقًا وتألقًا، وأكثر حضورًا وتأثيرًا، وفيةً لرسالتها، ومنتصرةً للحقيقة، وحاملةً لمشعل الوعي والتنوير، لتبقى كما عرفها الجميع: عنوانًا للصحافة الحرة، وضميرًا للوطن، ومدرسةً لا يتخرج منها إلا عشاق الكلمة الصادقة.