أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:58 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الراية البيضاء.. هذه المرة في عدن

    جسار مكاوي




    هل تذكرون مسلسل الراية البيضاء؟.. ذلك العمل الدرامي العظيم الذي كتبه أسامة أنور عكاشة عام 1988 وجسدت فيه سناء جميل شخصية فضة المعداوي وجسد جميل راتب شخصية مفيد أبو الغار ..لم يكن المسلسل مجرد حكاية عن امرأة ثرية تريد شراء فيلا قديمة.

    كان صراعًا بين من يرى المكان عقارًا يمكن أن يباع ويشترى ومن يراه ذاكرة وتاريخا وقيمة لا تقاس بالمال ..فضة كانت تريد الفيلا..ومفيد كان يريد أن يحميها.. وبينهما كانت هناك أوراق ونفوذ وضغوط ومحاولات لإجباره على التنازل.

    حتى أصبح السؤال الحقيقي..هل تنتصر قيمة المكان أم ينتصر من يملك المال والنفوذ؟..بعد نحو أربعة عقود يبدو أن أسامة أنور عكاشة كان يكتب لنا شيئا يتجاوز زمنه ..الراية البيضاء لم تعد في الإسكندرية..هذه المرة هي في عدن.

    وفي قلب كريتر..وعند معبد هنجراج متاجي..معبد تاريخي ارتبط بذاكرة عدن وتنوعها الحضاري والديني والاجتماعي وبقي شاهدا على مرحلة من تاريخ المدينة .. واليوم نحن أمام قضية ليست قضية معبد هندوسي فحسب.. وليست قضية عقار فحسب..وليست قضية شخص يدعي ملكية أرض فحسب..إنها قضية سؤال أكبر..ماذا نفعل عندما يقف التاريخ في طريق المصالح العقارية؟.

    هل نتعامل مع الأثر باعتباره عقارا له مالك فقط؟.. أم نتعامل معه باعتباره جزءا من الذاكرة الوطنية التي أنشأ القانون لحمايتها؟.. في الراية البيضاء كان أبو الغار يقف أمام قوة المال والنفوذ وهو يعرف أن خسارة الفيلا ليست خسارة جدران فقط ..كانت خسارة جزء من روح المدينة .. وفي عدن اليوم يقف القانون أمام السؤال نفسه ..فإذا كان الموقع أثريا ومسجلا ضمن المعالم الأثرية المحمية فإن الأمر لا يمكن اختزاله في ورقة ملكية أو ادعاء حيازة .

    لأن هناك شيئا اسمه..الصفة الأثرية وهناك شيئا اسمه..الحرم الأثري.. وهناك شيئا اسمه.. المصلحة العامة.. وهناك شيئا اسمه.. ذاكرة المدينة.. والأخطر أن التاريخ علمنا أن المعالم لا تسقط في يوم واحد.

    تبدأ الحكاية بادعاء ملكية.. ثم نزاع على جزء من الأرض..ثم تعد على السور..ثم إزالة حجر..ثم تغيير معلم..ثم استحداث، ثم يأتي من يقول.. لقد أصبح الأمر واقعا.

    وهنا تبدأ المأساة.. لذلك فإن حماية معبد هنجراج متاجي ليست دفاعا عن دين ضد دين.. ولا عن طائفة ضد طائفة .ولا عن شخص ضد شخص.. إنها دفاع عن عدن نفسها..عن تاريخها..عن تنوعها.. عن شواهدها التي تقول إن هذه المدينة كانت يوما مفتوحة للناس والثقافات والأديان والتجارة والحياة.. وقد يكون السؤال الذي طرحته (الراية البيضاء قبل 38 عاما) ما زال صالحا حتى اليوم.

    من يملك المكان؟.. لكن السؤال الذي يجب أن نضيفه نحن اليوم هو..ومن يملك حق محو التاريخ؟.. هنا لا نحتاج إلى رفع الراية البيضاء.. بل نحتاج إلى رفع راية القانون..الراية البيضاء في الدراما كانت علامة استسلام.. أما في عدن.. فإن رايتنا يجب أن تكون راية حماية التراث.. وراية القانون.. وراية عدن التي لا ينبغي أن تخسر ذاكرتها مرة أخرى.

المزيد من مقالات (جسار مكاوي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال