السبت, 12 سبتمبر 2026
74
قبل سنوات قال الرئيس اليمني الأسبق عبدربه منصور هادي رحمه الله عبارة ربما لم يدرك كثيرون في حينها كامل أبعادها، قال: ((إن إيران تريد اليمن وباب المندب وإنها إذا تمكنت من الإمساك بباب المندب ومضيق هرمز فلن تكون بحاجة إلى أن تكون دولة نووية)) !...
وفي نوفمبر 2015 عاد إلى الفكرة بصورة أكثر وضوحا حين قال إن وصول إيران إلى باب المندب سيجعلها غير محتاجة إلى أن تصبح دولة نووية لأنها بذلك تكون قد حققت جزءا كبيرا من أحلامها وطموحاتها..لم يكن الحديث عن السلاح النووي بمعناه العسكري المباشر بقدر ما كان حديثا عن القوة الاستراتيجية وقدرة دولة أو قوة إقليمية على التأثير في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة من خلال النفوذ على نقاط الاختناق البحرية..
مضيق هرمز في شرق المنطقة وباب المندب في غربها وبينهما تمر طرق الطاقة والتجارة العالمية..ومن هنا فإن امتلاك القدرة على تهديد المضيقين لا يعني امتلاك قطعة من البحر فقط بل امتلاك قدرة على الضغط في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية..كانت اليمن حينها قد دخلت مرحلة الانقلاب الحوثي وسقطت صنعاء في سبتمبر 2014 ثم توسع الحوثيون باتجاه الساحل..
وفي أكتوبر 2015 استعيد باب المندب عسكريا من الحوثيين لكن الأحداث اللاحقة أثبتت أن السيطرة على المضيق لا تقاس بالسيطرة البرية وحدها..فقد تكفي القدرة على تهديد السفن بالصواريخ والطائرات المسيرة أو غيرها لجعل الطريق البحري أكثر خطورة وكلفة..
ومنذ هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر اضطرت شركات شحن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح بدلا من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس..
وهنا تحول باب المندب من مجرد موقع جغرافي إلى أداة تأثير في الاقتصاد العالمي..واليوم تبدو الصورة أكثر خطورة مع عودة المخا والساحل الغربي إلى واجهة الصراع..
فمن يقترب من المخا يقترب من المجال العملياتي لباب المندب ومن يستطيع تهديد الملاحة من هذه المنطقة لا يحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل..يكفي أن يجعل السفن تفكر قبل العبور..
وهذا هو جوهر الحرب الحديثة على الممرات البحرية..لم يكن هادي يتحدث عن امتلاك المضيق بالمعنى الحرفي وإنما عن امتلاك القدرة على التأثير فيه..قد تكون هذه القدرة عبر وكيل محلي أو عبر الصواريخ والطائرات المسيرة أو عبر السيطرة على السواحل والجزر والموانئ أو عبر خلق بيئة أمنية تجعل الملاحة والتأمين أكثر خطورة.
وهنا تظهر العلاقة بين هرمز وباب المندب..إذا كان هرمز ورقة استراتيجية في الخليج فإن باب المندب يمثل الورقة المقابلة في البحر الأحمر..والقوة النووية تمنح الردع العسكري والسياسي بينما يمكن للقدرة على تهديد شريان بحري عالمي أن تنتج نوعا آخر من الردع الاقتصادي والتجاري والسياسي.
وهذا لا يعني أن المضيق يعادل السلاح النووي عسكريا وإنما يعني أن موقعا استراتيجيا كهذا يمكن أن يمنح قوة إقليمية تأثيرا يتجاوز حجمها الطبيعي.
أما من الناحية القانونية فإن حرية الملاحة في المضائق الدولية تخضع لقواعد القانون الدولي للبحار ولا يجوز تحويلها إلى أداة ابتزاز أو تهديد للملاحة التجارية..
وباب المندب ليس شأنا يمنيا منفردا..فهو يرتبط مباشرة بالبحر الأحمر وقناة السويس ومن ثم بأمن مصر والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا..وبعد أكثر من عقد على تحذير هادي لم يعد السؤال هل كانت إيران تريد باب المندب ..لبصبح السؤال
إلى أي مدى أصبح باب المندب نفسه ورقة في الصراع الإقليمي..اليمن ليست مجرد ساحة لحرب الآخرين..فهي تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم..وأي إضعاف للدولة اليمنية لا يخلق فراغا سياسيا فقط بل يفتح فراغا جيوستراتيجيا على البحر..وربما كان هادي يرى أبعد من اللحظة..قد نختلف معه في الحكم والسياسة لكن الإنصاف يقتضي أن نحاكم الفكرة بذاتها.
واليوم تعود عبارته لتطرح سؤالا أكبر..
ماذا يحدث للعالم إذا أصبحت قوة إقليمية قادرة على التأثير في هرمز من جهة وباب المندب من جهة أخرى .
ربما عندها نفهم ماذا كان يعني حين قال إن إيران إذا أمسكت بباب المندب ومضيق هرمز فلن تكون بحاجة إلى أن تكون دولة نووية..لم يكن يتحدث عن قنبلة..كان يتحدث عن موازين القوة.
واليوم باب المندب هو الاختبار..و المخا ليست مجرد مدينة..والبحر الأحمر ليس مجرد بحر..إنها جميعا أجزاء من معادلة أكبر بكثير من حدود اليمن..ومن لا يقرأ الجغرافيا السياسية لباب المندب اليوم قد يكتشف غدا أن العالم كله اضطر إلى دفع ثمن تجاهلها.