أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:55 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حين تصبح الثورة من الموروث.. ويبدأ اليمن ثورته الحقيقية

    أ.د. أحمد الشاعر باسردة




    لا نريد أن نخرج عن الإجماع اليمني، ولا أن نسيء إلى رموز التاريخ أو إلى أجيال آمنت بأن ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر كانتا بوابتين للخلاص من واقع التخلف والاستبداد، وبدايةً لطريق يفترض أن يقود اليمن إلى الحرية وبناء الدولة والتنمية والالتحاق بركب الحضارة.

    لكن التاريخ لا يُقرأ بالعاطفة وحدها، بل تُقرأ نتائجه أيضًا. وبعد عقود طويلة، يحق لليمني أن يتساءل بجرأة وواقعية: ماذا تحقق للإنسان اليمني من المشروع الذي حملته الثورتان؟ وإلى أين انتهى بنا المسار؟.

    هذه ليست دعوة إلى محاكمة التاريخ، وإنما دعوة إلى مراجعة الموروث السياسي بعين واقعية. فبعد كل هذه العقود، ما زال اليمن يعيش الحروب والانقسامات والفقر والتخلف، وما زال المواطن يبحث عن أبسط حقوقه: الأمن، والماء، والكهرباء، والعمل، والتعليم، والصحة. وكأن الثورة التي كان يفترض أن تفتح أبواب المستقبل تحولت، مع مرور الزمن، إلى صراع طويل استنزف الإنسان والوطن.

    الثورات التي قامت من حولنا لم تكن غايتها أن تبقى الشعوب أسرى الاحتفال بذكراها، وإنما أن تنتقل من الثورة إلى الدولة، ومن الدولة إلى التنمية، ومن التنمية إلى حياة أفضل للإنسان. أما في اليمن فقد توالت الصراعات والحروب، وتبدلت الأنظمة والرايات والشعارات، بينما بقي المواطن يدفع الثمن من أمنه وحياته ومستقبله.

    ومن منظور براغماتي، لا بد أن نسأل أنفسنا بصدق: هل المطلوب أن نظل أسرى لموروث سياسي مضى زمنه، أم أن الوقت قد حان لإعادة قراءة ذلك الموروث ووضعه في مكانه الطبيعي في ذاكرة التاريخ؟.

    إن احترام ثورتي سبتمبر وأكتوبر لا يعني أن نجعل منهما مشروعًا أبديًا لإدارة حاضر اليمن ومستقبله. يمكن أن نقرأ ظروفهما وأهدافهما ونتائجهما، ونحفظ مكانتهما في التاريخ، ثم نترك للأجيال حق تقييمهما، ونبدأ نحن في صناعة مرحلة جديدة لا تقوم على استدعاء الماضي، وإنما على بناء المستقبل.

    اليمن اليوم لا يحتاج إلى ثورة جديدة تحمل البندقية، بل يحتاج إلى ثورة سياسية وفكرية وتنموية تعيد تعريف معنى الانتصار. فالانتصار ليس في إسقاط مدينة على أخرى، ولا في رفع راية فوق مبنى حكومي، ولا في انتصار جماعة على جماعة؛ الانتصار الحقيقي هو أن يعيش اليمني آمنًا، وأن يجد ماءً نظيفًا، وأن يرسل أبناءه إلى مدارس جيدة، وأن يجد عملًا، وأن يرى مستشفى يعمل، وطريقًا صالحًا، ومؤسسات تحكمها القوانين لا موازين القوة.

    نحن بحاجة إلى حلول سياسية جذرية تعالج جذور الأزمة اليمنية، وتحترم خصوصية الجنوب وقضيته، وتفتح الطريق أمام ترتيبات سياسية قابلة للحياة، ثم تجعل التنمية هدفًا وطنيًا حقيقيًا لا شعارًا موسميًا.

    والأهم من ذلك أن يتحرر اليمنيون من أن يكونوا وقودًا لصراعات الآخرين. لا يمكن بناء وطن بينما تُستورد أجنداته من الخارج، ولا يمكن صناعة مستقبل مستقل إذا ظل اليمنيون يُستخدمون في حروب لا تخدم مصالحهم، أو يتحولون إلى أدوات لتنفيذ حسابات عواصم أخرى.

    لقد آن الأوان لاستعادة القرار اليمني، شمالًا وجنوبًا، على قاعدة واضحة: لا حرب من أجل الآخرين، ولا دماء من أجل مشاريع الآخرين، ولا مستقبل يُكتب بأقلام الخارج.

    لقد استهلكتنا الشعارات، وأتعبتنا الحروب، وأضاع الصراع أجيالًا كاملة. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات الثورية، وإنما ثورة على التخلف والفساد والفقر والجهل والانقسام.

    نريد أن ننتقل من ثقافة الثورة على الإنسان إلى ثقافة الثورة من أجل الإنسان؛ من صراع الإنسان مع الإنسان إلى صراع الإنسان اليمني مع الفقر والجهل والمرض والفساد والانهيار.

    ضعوا السلاح، واحملوا الأقلام أيها اليمنيون. اتركوا للأجيال القادمة كتب التاريخ، وابنوا لهم وطنًا يستحق أن يقرأوا تاريخه بفخر. كفى ثوراتٍ تستهلك الإنسان، وحان وقت الثورة التي تبني الإنسان.

    فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من البطولات على أنقاض المدن، ولا إلى أجيال جديدة تُدفع إلى ساحات القتال، وإنما يحتاج إلى سلام يصنع دولة، ودولة تصنع تنمية، وتنمية تعيد للإنسان اليمني كرامته ومكانته بين الشعوب.

    لقد آن الأوان أن تنتهي مرحلة استخدام اليمن واليمنيين في صراعات الآخرين، وأن تبدأ مرحلة يكون فيها اليمن هو القضية، والإنسان اليمني هو الهدف، والتنمية هي المعركة التي تستحق أن نخوضها جميعًا.

    * رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن

المزيد من مقالات (أ.د. أحمد الشاعر باسردة)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال