أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:37 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • المواطن اليمني يعاني منذ أن يولد

    حمير سعد الجعفري




    في اليمن، قد تبدأ معاناة الإنسان قبل أن يعرف حتى معنى كلمة «المعاناة».

    يولد الطفل اليمني، وفي كثير من الحالات، تكون أسرته منشغلة منذ اللحظة الأولى بأسئلة يفترض ألا تكون هاجسًا لأسرة تستقبل مولودًا جديدًا: هل توجد مستشفى قريبة؟ هل تتوفر الأدوية؟ هل يستطيع الأب دفع تكاليف العلاج؟ وهل ستجد الأم الرعاية الصحية التي تحتاج إليها؟

    ثم يكبر الطفل قليلًا، فتبدأ معركة أخرى.

    مدرسة قد تفتقر إلى أبسط الإمكانات، وأسرة تكافح لتوفير الدفاتر والملابس والمواصلات، ومعلم يعيش هو الآخر ظروفًا اقتصادية صعبة. يصبح التعليم، الذي يفترض أن يكون حقًا وطريقًا نحو المستقبل، عبئًا إضافيًا على كثير من الأسر.

    يكبر الطفل ويصبح شابًا، فيكتشف أن الشهادة وحدها لا تكفي، وأن سنوات الدراسة لا تضمن وظيفة ولا دخلًا كريمًا.

    يبدأ البحث عن العمل، ثم البحث عن فرصة، ثم البحث عن واسطة، ثم ربما البحث عن بلد آخر.

    وهنا تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة: الهجرة.

    يحمل اليمني حقيبته ويغادر وطنه، لا لأنه بالضرورة يكره أرضه، وإنما لأنه يريد أن يعيش. يريد وظيفة، وأمانًا، ومستقبلًا لأطفاله، وحياة طبيعية لا يكون الحصول على أبسط الحقوق فيها معركة يومية.

    وحين يصل إلى بلاد الاغتراب، لا تنتهي الحكاية.

    يبدأ من الصفر.

    يتعلم قوانين جديدة، وربما لغة جديدة، ويبحث عن عمل وسكن وإقامة واستقرار. وقد يحمل شهادة وخبرة وسنوات من العمل، ثم يجد نفسه مضطرًا للبدء من جديد لإثبات ذاته.

    والأصعب من كل ذلك أن قلبه يبقى في اليمن.

    يتابع أخبار أهله، يقلق عليهم، يرسل ما يستطيع من المال، ويتابع الأزمات والحروب وارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات، بينما يحاول في الوقت نفسه بناء حياته في الخارج.

    وكأن اليمني، أينما ذهب، يحمل اليمن فوق كتفيه.

    إن بقي في الداخل عانى، وإن غادر حمل معه هموم الداخل، وإن استقر في الخارج ظل جزء من روحه معلقًا بوطن يتمنى أن يعود إليه يومًا وهو آمن ومستقر.

    وهنا يجب أن نسأل السؤال الحقيقي:

    لماذا أصبح الحصول على حياة طبيعية حلمًا بالنسبة إلى ملايين اليمنيين؟

    اليمني لا يطلب المستحيل.

    يريد دولة تحميه، ومدرسة تعلم أبناءه، ومستشفى يعالجه، ووظيفة تحفظ كرامته، وقانونًا يساوي بينه وبين غيره، وطريقًا آمنًا يعود عبره إلى بيته.

    يريد أن يكبر أطفاله بعيدًا عن الخوف، وأن يحصل الشاب على فرصته دون واسطة، وأن يعيش الكبير ما تبقى من عمره بكرامة.

    هذه ليست مطالب سياسية فاخرة.

    هذه أبسط حقوق الإنسان.

    لقد دفع اليمنيون أثمانًا باهظة عبر سنوات طويلة من الصراع والفقر والنزوح والانقسام. ولهذا، حين نتحدث عن مستقبل اليمن، يجب ألا يكون الإنسان آخر بند على الطاولة.

    الإنسان يجب أن يكون أول القضية وآخرها.

    لا قيمة لأي انتصار إذا بقي المواطن جائعًا.

    ولا معنى لأي سلطة إذا لم يشعر الإنسان بالأمان.

    ولا معنى للدولة إذا اضطر أبناؤها إلى الهروب منها بحثًا عن أبسط مقومات الحياة.

    نريد يمنًا لا يبدأ فيه الطفل حياته بالمعاناة، ولا يقضي الشاب عمره يبحث عن مخرج، ولا يضطر الأب إلى الهجرة ليطعم أبناءه، ولا يصبح فيه الوطن مجرد ذكرى جميلة يحملها اليمني معه في المنافي.

    نريد وطنًا يستطيع الإنسان أن يعيش فيه… لا وطنًا يقضي عمره وهو يحاول النجاة منه.

    كفى أن يكون قدر المواطن اليمني أن يعاني منذ أن يولد.

المزيد من مقالات (حمير سعد الجعفري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال