«الأيام» تستطلع آراء عدد من الشخصيات التربوية والاجتماعية والرأي الشرعي في لودر حول:غلاء المهور وعزوف الشباب والشابات عن الزواج.. الأسباب والنتائج والمعالجات

«الأيام» سالم لعور:

ظاهرة غلاء المهور إحدى الظواهر المنتشرة في بلادنا التي تؤثر تأثيرا سلبيا في مختلف مناحي حياة الفرد والأسرة والمجتمع ككل، اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا وسلوكيا وغيرها.. وأصبحت اليوم من أبرز الظواهر الخطيرة التي تهدد كيان الأسرة والمجتمع في بلادنا، خصوصا وأن أسهم العزوبية والعنوسة بين شبابنا وفتياتنا في ارتفاع مستمر وتسير بمتوالية هندسية تنذر بخطر قادم ينبغي علينا جميعا الوقوف أمامه والتصدي له بكافة الوسائل والسبل الممكنة.

ولأهمية هذا الموضوع كانت “الأيام” سباقة كعادتها واستطلعت آراء عدد من الشخصيات الاجتماعية والتربوية وذوي العلاقة بتقديم الوعظ والنصيحة بمديرية لودر ورأي الشرع حول ظاهرة غلاء المهور والعزوف عن الزواج، الأسباب والنتائج والمعالجات وسبل الحد من مخاطر هذه الظاهرة، وكانت حصيلة تلك الآراء على النحو التالي:

> الأخ عارف ناسي عبده، معيد بقسم اللغة الانجليزية بكلية التربية بلودر (عازب) تحدث قائلا:

«يحز في نفسي أن أرى الكثير من الشباب ممن بلغوا سن الزواج وكذلك الذين سبق أن فاتهم قطار الزواج وهم محرمون من الزواج بسبب غلاء المهور، الذي وصل إلى ما يقارب نصف المليون ريال، وهو ما أدى إلى حرماننا من الزواج الذي صار من المستحيلات هذه الأيام بسبب قصور الوعي لدى أولياء الأمور تجاه أهمية الزواج بالنسبة لتكوين الأسرة والحفاظ على المجتمع وتعزيز أواصر المحبة بين أفراده، وكذا عدم تنظيم قوانين خاصة بالأسرة والمجتمع لتحديد سقف للمهور وإلزام الناس بتنفيذها (عمليا) لما من شأنه محاربة هذه الظاهرة الخطيرة، التي تتطلب وقوفنا جميعا آباء وأسراً ومجتمعا من خلال نشر الوعي بخطورة الظاهرة والتخلي عن المغالاة في المهور، واضطلاع خطباء المساجد وأئمتها بدورهم في حث الناس على التخلي عن التفاخر بالمغالاة في المهور الذي نعاني منه اليوم، بعد أن أصبحت الفتاة سلعة تباع وتشترى دون مراعاة ما ينتج عن هذا التفكير من عواقب وخيمة يدفع ثمنها الأبناء والآباء والمجتمع بكامله».

> الأخ عربي عبدالقادر حسين، الشخصية التربوية والاجتماعية المعروفة تحدث قائلا:

«ظاهرة ارتفاع المهور في بلادنا وتكاليف الزواج أصبحت شبحا مخيفا أمام الكثير من الأسر والسواد الاعظم من الشباب والشابات.. هذه الظاهرة بدأت تظهر منذ خمس عشرة سنة تقريبا أو يزيد، وهي تتوسع يوما بعد يوم ثم تفرض أعباءها الثقيلة على الاسر، وقد ترتب على ذلك أن كثيرا من الأسر تتحمل الديون من أجل دفع تكاليف الزواج ابتداء بالمهور ومرورا بتكاليف الخطوبة والعقد وانتهاء بتكاليف الزواج الاخيرة (الدخلة والصبحية) والضيافات المكلفة، وقد تبلغ تكلفة الزواج عند بعض الاسر مليون ريال، وربما يكون هذا هو متوسط كلفة الزواج هذه الأيام.

إن السبب الرئيسي لهذا كله هو الحالة الاقتصادية والمعيشية التي نعيشها وارتفاع الأسعار الفاحش الذي كان سببا في تصدع الكثير من الأسر اليمنية من الناحية المعيشية، وكان ذلك سببا أساسيا لارتفاع المهور، فعندما يأتي أحد ليخطب لابنه من إحدى العائلات تطلب منه مهرا يقارب خمسمائة الف ريال هذا عدا الملحقات التي تصل تكلفتها هي الأخرى إلى خمسمائة الف ريال، هذا كله وباختصار شديد يكفي أن يكون عائقا كبيرا في عدم قدرة الشباب والشابات على الزواج.

وهنا تبرز نتائح خطيرة جدا يعانيها المجتمع وتترتب عليها قضايا اجتماعية لا تحمد عقباها، فعندما تكون المهور وتكاليف الزواج المثقلة سدا منيعا أمام زواج الشباب والشابات ويقضي الشاب أو الشابة أكثر من نصف عمره بدون زواج فإن ذلك يفضي إلى ارتكاب أمور محرمة، لا سمح الله، وانتشار الفساد في المجتمع، وينتج عن ذلك فتنة أخلاقية واسعة والعياذ بالله تتضرر منها الكثير من الأسر وتؤثر على سمعتها ومكانتها في المجتمع.

وإذا كان من الواجب الحد منها من أجل تلافي المشاكل والأخطار، فإن العبء الأكبر يقع على كبار الشخصيات بأن يتفهموا سلبيات هذه الظاهرة (غلاء المهور) وأن ينظروا إليها بعين الجد والاعتبار وأن ينبري المشايخ والشخصيات الاجتماعية والأعيان والشباب والمثقفون ورجال الدين والمسؤولون في الدولة لتبني حملة لتوعية الناس بأخطار هذه الظاهرة والحد منها بعدم المبالغة في المهور وتكاليف الزواج الأخرى ليتسنى للشباب والشابات الزواج بسهولة وبناء بيوت السعادة والطمأنينة والخروج من ثقل الديون وهمها وتجنيب مجتمعنا الانزلاق في اتون أخطار ومساوئ هذه الظاهرة التي تفشت بشكل خطير في أوساط المجتمع في الآونة الاخيرة».

> وعن عزوف الشباب والشابات عن الزواج، الأسباب والحلول، تحدث الأستاذ الدكتور حسين محمد عمر البطر، المحاضر بكليتي التربية عدن وأبين قائلا:

«الزواج فطرة إنسانية قبل كل شيء.. كما أنه فطرة وجودية، إنها السنة الربانية التي أوجدها العليم الخبير لتشمل جميع ما في الكون من نبات وحيوان وإنسان وعناصر، وكلها تقوم على نواميس محكمة وقوانين متقنة لا اختلال فيها ولا اضطراب إلا عند بني البشر، رغم ادعاء السيادة والسيطرة، والكتابان: المنظور والمقروء يشهدان بذلك وعليه. والحياة لا تصلح ولا تدوم ولا تطيب إلا بالزواج أو إن شئت بالتزاوج، فهو السكن واللباس والمودة، والمضيئات الآتية تشير إلى ذلك: ?{?هو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديرا?}?، ?{?هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن?}?، ?{?ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة?}?، إن أسباب العزوف عن الزواج (التصحر الإنساني) كثيرة فمنها المادي البحت، ومنها الذاتي الخالص، لكن بعض التفاصيل قد تكشف عن وضع العراقيل والصعوبات أمام اختيار الشراكة الزوجية والبحث عن الحسب والنسب والمال ووضع الاعتبار لفارق السن او التفاوت العمري والتموطن، بمعنى ابن المدينة لابنة المدينة ولا عكس، ومثلبة الفقر رغم القول المأثور: «زوجوهم فقراء يغنهم الله» وأعباء ما قبل وما بعد الزواج والإسراف في المصروفات الشخصية والرغبات الذاتية بديلا عن الزواج وغياب وتواري دور المنبر الديني بكل ما له وما عليه، فقد كان إلى العهد القريب بوصلة المحبة، وواشجة الخير، وسكة الأمان، ومحطة ثقة الجميع.

وهناك بعض الحلول المقترحة لحل هذه المشكلة منها اللقاءات المتكررة بين رجال الدين الموثوق بهم وبين أولياء الامور لتبادل الآراء والتوعية الدينية الهادفة والهادئة تحت شعار (لا ضرر ولا ضرار) عبر وسائل الإعلام المختلفة، وسن اعراف جديدة لتقليل المهور وتقنينها من قبل رجالات الدين والقبائل والعشائر والشخصيات الاجتماعية ذات القدوة الحسنة ولا شروط في مكملات الزواج من ذهب ولباس وغرف نوم ومطابخ وغيرها.

فالعزوبية والعنوسية من صنع أنفسنا والإسلام منها براء، والحل اخرج أيها الشاب من شرنقة العزوبية بصنعك صندوق توفير يومي، والامتناع عن القات وتوابعه 4 أيام في الاسبوع مثلا يعد مكسبا صحيا وماديا لأكثر من ثلثي العام تقريبا، والامتناع عن كل ضار ومضر بالجسد والجيب دافعك الاول نحو الزواج المبكر.

وأنت أيتها الشابة فقرار خروجك من قبو عنوستك بيدك، دعي العلياء وسيري مع الآخرين على الارض، والعين السليمة هدفها أسمى ومرماها أبعد، والقلب المطمئن يألف الضربات الهادئة، وابحثي عن الصديقات المخلصات فهن موجودات وهن قناطر الأمان، وقناديل الطريق و«المرء على دين خليله..».

وأخيرا ليقف كل ولي أمر أمام: كيف لو كنت عازبا أو عانسا حتى الآن؟؟.

والشورى نبات طيب، ومصائر البنين والبنات بأيدينا، وخير الناس من اتعظ وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

> الأخ صالح حسن عبدالله الوادي تحدث قائلا: «دعا الإسلام إلى التيسير في الزواج وكره المغالاة فيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» ومع ذلك فقد شاع بين بعض الأسر اليمنية ظاهرة المغالاة في المهور، حيث وصل المهر إلى مليون ريال حتى أصبح كثير من الشباب لا يقدرون على الزواج بسبب ذلك وبسبب التفاخر في الإنفاق على مظاهر الزواج، وهناك أسباب لظاهرة المغالاة في المهور منها سلوك التباهي والتفاخر لدى بعض الأسر وضعف الوازع الديني لدى بعض الآباء وجشعهم حينما يطلبون مبالغ باهظة من الشباب الذين يقدمون للزواج من بناتهم, أو من المرأة التي يتولون شرعا أمرها، أما الآثار السلبية للمغالاة في المهور فمنها انتشار الانحراف الاخلاقي وارتفاع نسبة العنوسة بين الفتيات وضعف الروابط الأسرية مثل الاخاء والتعاون والتكافل وصلة الرحم.

وهناك عدد من المعالجات للحد من هذه الظاهرة كإقامة الجمعيات التي تعمل على تيسير الزواج في إطار كل قرية أو مديرية أو محافظة، ونشر الوعي بين الأسر بآثار وأضرار المغالاة في المهور على الأسرة والمجتمع وتمثُّل القدوة من قبل كل أسرة بسيرة الرسول صلى الله وعليه وسلم والصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم في تيسير الزواج، وإعداد وثيقة تتعاهد فيها الأسر وبإشراف المشايخ والأعيان والشخصيات الاجتماعية بعدم المغالاة في المهور أو التفاخر في مظاهر الزواج».

الزواج الجماعي عامل رئيس للحد من مغالاة المهور ينبغي تعميمه

> الشيخ عوض عبدالله المسعودي، رجل في الخمسين من عمره يتوق للزواج بامرأة صالحة تخفف عنه عبء الحياة وهمها وغمها، لكن الزواج أصبح في قاموس حياته من رابع المستحيلات على حد تعبيره بسبب ظروفه المادية الصعبة ولإعالته أسرته وإخوانه ولغلاء المهور الذي اصبح عائقا أمامه .. سالته عن سبب عزوفه عن الزواج فاجاب:

«السبب غلاء المهور الذي وصل في منطقتنا (قرية مليحة) بدثينة إلى أكثر من نصف مليون ريال.. انظر إلي فسني تجاوز الخمسين ولم استطع الزواج بسبب هذا الوحش الكاسر غلاء المهور الذي نخر مجتمعنا وأصبح يهدد كيان الأسرة، وإلاّ من منا لا يريد إكمال نصف دينه إذا توفرت الإمكانات ليظفر بشريكة حياته؟!.

أتساءل أين هي الجمعيات الخيرية التي تتبنى الزواج الجماعي؟ من الأحرى ان تعمم عملها الخيري في مختلف المحافظات والمناطق، ومديرية لودر بمحافظة أبين إحداها، نأمل أن تقوم هذه الجمعيات بتعميم نشاطها وإقامة زواج جماعي يستهدف شرائح واسعة تعاني سوء الحال والعوز والظروف القاسية، وتستحق أن تحظى بالدعم الخيري للزواج الذي أصبحنا نحلم به لبناء اسرة نسمع فيها يا أبتاه يا أماه، والله لا يضيع أجر المحسنين».

> الأخ مختار أحمد البطر، المدير الإداري بكلية التربية لودر تحدث قائلا:

«بداية أود أن أعبر عن رأيي بصراحة وأقول إن غلاء المهور هذه الأيام أصبح لا يطاق ولا يقدر أن يتحمله الشباب الذين أصبحوا عاجزين عن الزواج وتحصين أنفسهم وإكمال دينهم، ناهيك عن تكاليف الزواج التي أصبحت تكلف من يفكر فيه مبالغ خيالية، ولكوني أحد أبناء مديرية لودر أطالب الجهات المختصة والمسؤولة بالمديرية ومعهم رجال الدين أن يمدوا يد العون والمساعدة إلى أبنائهم الشباب بالتقليل من هذا الغلاء في المهور وفتح المجال أمام الشباب لكي يتسنى لهم الزواج، وكان الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه».

*البرُّ سلف فاليوم تزوج ابنتك وغدا ابنك*

> وفي ختام استطلاعنا ولمعرفة الرأي الشرعي في غلاء المهور التقينا الشيخ محمد عبدالله عمر باهرمز (أبو عبدالله)، أمين منطقة لودر، فقال:

«ان المغالاة في المهور أمر كرهه الإسلام على لسان خير الإنام القائل صلى الله عليه وسلم «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» وقال صلى الله عليه وسلم «يُمن المرأة خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها، وشؤمها غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها». وكثير من الناس جهل هذه التعاليم أو تجاهلها وحاد عنها وتعلق بعادات الجاهلية من التغالي في المهور ورفض تزويج بناته إلا إذا دفع الأزواج لهن المال الذي يرهقهم، وكأن المرأة سلعة يساوم عليها ويتجر بها، ونتج عن المغالاة في المهور عزوف الشباب عن الزواج وذهابهم إلى الحرام الذي صار ميسرا أكثر من الحلال بكثير، والويل كل الويل لمن وقع في الحرام ولمن كان سببا في وقوع الشباب والشابات فيه.

ولنرجع قليلا إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم لننظر كيف كانت نظرته للمهر وكيف تأسى أصحابه الكرام بمنهجه الذي وضعه، فعن عامر بن ربيعة أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «أرضيت عن نفسك بنعلين؟ فقالت: نعم. فأجازه» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وعن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: «يا رسول الله إني وهبت نفسي لك. فقامت طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك حاجة بها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: وهل عندك من شيء تصدقها إياه، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتها إزارك حلت لا إزار لك فالتمس شيئا فقال: ما أجد شيئا فقال: التمس ولو خاتما من حديد. فالتمس فلم يجد شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل معك من القرآن شيء قال: نعم سورة كذا وسورة كذا لسورة يسميها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد زوجتك بها بما معك من القرآن» رواه البخاري ومسلم وفي رواية أن ذلك قدر عشرين آية.وعن انس أن أبا طلحة خطب أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تُسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره فكان ذلك مهرها.وبعد هذا الاستعراض للاحاديث المباركة أتقدم بالنصح من خلال الصحيفة الغراء والمنبر المحبوب للناس صحيفة «الأيام» إلى كل من يقرؤها أو يسمع ما فيها أن يتقوا الله في الشباب والشابات ويعملوا على تخفيف المهور من أجل تسهيل الحلال الذي صار متعسرا، ولقد أعجبني ما سمعته من أن بعض الناس في بعض المناطق والقبائل اتفقوا على تحديد المهر بالشيء المعقول بعضهم مع بعض، وكان ذلك معينا لهم على انخفاض نسب العزوبية والعنوسية في تلك المناطق لذا أقول للناس: الله الله في بناتكم وأودلاكم وليعلم القارئ الكريم أن البر (سلف) وأنك اليوم تُزوِّج ابنتك وغدا ستُزوج ابنك، والله المستعان».

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى