يحبهم ويحبونه

«الأيام» علي بن عبدالله الضمبري:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا نُزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً، فاذا لم تلقه إلا خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة، فاذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيماً ملعناً، فإذا لم تلقه إلا رجيماً ملعناً نزعت منه ربقة الإسلام» رواه ابن ماجة.

يقول الدكتور محمد خير فاطمة في كتابه (الأخلاق الإسلامية) صفحة 56: «السفه والوقاحة والفحش والبذاءة كلاها أضداد الحياء، وهي عدم المبالاة بالأقوال والأفعال التي يشمئز منها العقل وتنفر منها النفس ويخجل من سماعها أو رؤيتها كل عاقل حكيم أو مؤمن رشيد ويقوم بها صاحبها دون خوف من الله ودون وازع من ضمير ولا إيمان، وهذه الأمراض تشكل أمراضاً خطيرة، فإذا ما فقد الشخص حياءه وفقد أمانته أصبح وحشاً كاسراً شرساً ينطلق معربداً وراء شهواته ومثل هذا الشخص الشرس لن يجد له قلباً يعطف عليه، بل إنه يغرس الضغائن في القلوب وينميها وتلك الصفات شر كلها .. ومن لا حياء فيه لا خير فيه، يجده الناس شتّاماً صخّاباً سباباً غادراً محتالاً جريئاً على هتك الحرمات مقصراً في حقوق الله ظالماً قاسياً».

إن الحياء وثيق الصلة بيقظة الضمير وقوة الإيمان وثبات اليقين ولهذا قال النبي لأحد الصحابة:«إن فيك خصلتين يحبهما الله فقال: وماهي يارسول الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الحلم والحياء » رواه أحمد والنسائي .

بل إن الله نفسه حيي يستحي من عبده أن يمد إليه يديه فيردهما صفراً خاويتين، فلماذا لانستحي نحن منه؟! قال الجنيد البغدادي -رحمه الله:«الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى حياء». أي أن المسلم كلما رأى آلاء الله ونعمه وكرمه وعطاءه وفضله ثم أحس بما لديه من التقصير في شكر ذلك، تكون شعور خجول يسمى (الحياء)..والحياء الذي يحبه الله هو الشعور والإحساس الذي يجعل المسلم يخجل من أن يفعل في السر مايستحي منه في العلن.. إنه (الحياء من الله)، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يارسول الله إنا لنستحيي والحمد لله، قال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» رواه الترمذي. ومعنى (حفظ الرأس) ألا يسجد لغير الله، وأن يحفظ وعيه وعقله ودماغه من كل شيء يضره كالخمور والحبوب المخدرة والقات ويحفظ الحواس الموجودة فيه فيتأمل بعينيه في ملكوت السماوات والأرض، وينظر إلى ما أحل الله، و لا يسمع بأذنيه إلا كل خير ولا يقول بلسانه إلا خيراً ينفعه في دنياه وآخرته. وأما (حفظ البطن) من أكل المال الحرام والمشبوه، وليجعل مطعمه حلالا ليستجيب الله له دعاءه، لأن المال الحرام حائل مانع يمنع صعود الدعاء، كما أن عليه أن يحفظ الكبد والمعدة والأمعاء والقلب من شراهة الطعام فيأكل أكلاً طيباً حلالاً متوازناً ليس فيه ضرر على صحته وحياته ولايكون بتبذير وإسراف وطمع. وأما ذكر الموت والبلى فهو دليل على صدق الشوق إلى لقاء الله، وحقيقة التعلق بحبه، وصدق الحب له، وعمق الإخلاص في التقرب إليه.. ولو أن كل امرئ وكل امرأة تذكر (حقيقة الموت) وعمل لما بعده لما انتشرت المظالم وطغت الأثرة، وظهر الاستبداد والاستحواذ وشاع الفحش والفجور، وسُرق المال العام ونُهبت حقوق العباد !!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء لايأتي إلا بخير» متفق عليه .

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الطاهرين

* مدرس في كلية التربية - جامعة عدن