التربية تهذيب. . وتحرر

عبدالرحيم محمد الأهدل:

إن التربية رسالة إنسانية خالدة ووظيفة مقدسة وعلى جانب عظيم من الاهمية في جميع ادوار التاريخ وتطور حياة الشعوب وتقدم الفكر الاجتماعي بازدهار النشاط التربوي يزداد الانتاج من النماذج الطيبة الحميدة.

الذين هم رجال الغد الزاهر ومواطنو المستقبل الباسم والذين لهم الاثر الفعال في مستقبل العالم ومصيره وتغيير وجه التاريخ تغييراً جذرياً بإرادتهم الثابتة وعزائمهم الحقة وصمودهم القاهر الذي لاتغمز قناته وبذلك يزداد مستقبل الانسانية اشراقاً وبهجة ولا غرابة في ذلك فمنذ فجر التاريخ البشري والامم قاطبة شعوباً وحكومات تولي التربية عناية عظمى وتنفق عليها الاموال الجزيلة بسخاء ورحابة صدر ويقول (فردريك) «على القائمين بشؤون الحكومات ان يعملوا على ترقية الامة واسعاد جميع طبقاتها بوضع اساس متين لتربية الاطفال في المدارس تربية صحيحة دينية تغرس في قلوبهم مخافة الله تعالى وترمي الى اغراض اخرى سامية».

والتربية تنشئة الفرد وتنميتة من الوجهة الجسمية وتهذيبه من الناحية الخلقية وتوسيع مداركة الفكرية والعقلية، ويعرفها غوستاف لوبون في كتابه روح التربية بانها الفن الذي يحول الشعوري الى لاشعوري، ومعنى ذلك انطباع تلك النظم والقواعد الاصولية لكل فن من الفنون الحية في العقل الباطن وايجاد الملكة التي تهيئ التطبيق العملي المتقن من الحركة اللا اردية.

ولقد كانت التربية في اطوار البشرية الاولى بصورة بسيطة ونسبة ضئيلة يقوم بها الاباء لابنائهم، وحين تكونت الفضائل الاسرية وتنوعت العشائر وبدأت الانسانية في تقدمها نوعاً ما ونشأت الاداب والفنون والشعر وتكون منها تراث له قيمته التاريخية في رفع المعنويات وحفظ الكيان القومي لتلك المجموعة من البشر فالجأتهم الحاجة الماسة الى من لهم الخبرة التامة والتدريب والاتقان في المواهب، فبرزت رسالة التربية بنطاق اوسع وكان ممن لهم العمل الايجابي والاثر الخالد اولئك المصطفون الاخيار من الانبياء والمرسلين، الذين نشروا رسالتهم المقدسة وهذبوا النوع البشري من الناحية الخلقية وبلوروا العقل من ما علق به من غوائم الشهوات والنزوات الجنونية التي كانت تزين لذويها التمرد على الفضائل وتحبذ لهم التيه في مهاوي الباطل، نشر اولئك الرسل الكرام رسالة الاسلام والاخاء الانساني يويدهم في ذلك وحي السماء وهو مادة رسالاتهم وينبوع تعاليمهم السلسبيل، وحذا حذوهم رجال الفكر الانساني من كل جيل كابن سينا والغزالي وابن خلدون وفردريك وروسو وغيرهم ممن كان لهم القدح المعلى في تنوير الافكار وتطعيمها بالاداب والفنون.

فرجال التربية والتعليم هم الذين يزودون عقول الاجيال الناشئة المتطلعة الى الحياة الكاملة والمستقبل السعيد بالعلوم النافعة والاراء الصحيحة الصائبة بما يتلائم ومحيط واقعهم وروح قوميتهم، تلك القومية التي هي الاطار الجامع لآمالهم والامهم ومشاعرهم، ورجال التعليم والتربية هم الذين يحلقون بفضل جهودهم الجبارة من النشء المتطور مواطنين صالحين يقدرون المسئوليات ويحترمون الفرد ويقدمون جهودهم في الاعمال الجليلة التي تصل بشعوبهم واممهم الى المكانة السامية بين الامم الصاعدة في الرقي والحضارة، وهم الذين يحولون اطفال اليوم الى عمالقة الفكر الانساني في المستقبل ويكونون منهم المديرين للنظم الاجتماعية والايدي الصانعة للقوى العظيمة التي تسخر خيرات الطبيعة لصالح بني الانسان والعاملين بجد ونشاط على اضواء الصالح العام للاوطان التي اقلتهم ارضها واظلتهم سماؤها واستغذبوا نسيم هوائها.

ان عالمنا اليوم تتصارع فيه المطامع والاهواء وتتصادم فيه النظم الاجتماعية الوضعية للحياة، وليس بصراع الحياة او البقاء او الانتخاب الطبيعي كما يقولون ولكنه السباق الى الفناء والموت وصراع الجنون، جنون الاطماع وحب النفوذ، ودمار البشرية وخراب العالم، انه عالم طغت فيه المادة الصرفه على المثل العليا، عالم يفكر بلقمة العيش يبطشها بالجبر والغلبة ولا يفكر بالقيم الروحية ومعاني الانسانية السامية وفلسفة الضمير الحي لهذا ولاسباب اخرى فنحن في امس الحاجة الى تربية دينية توقظ الروح على الشرف المطلق وتوقظ الفكر على الكرامة الصحيحة والى تربية دينية تقدمية تحفظ لنا عزة الجانب وقوة الادارة في اغتنام المصالح العامة والاعتصام عن مزالق المصالح الذاتية، وتقضي على فكرة الترف والتميع والى تربية تطورية تثير الحماس اللازم للمضي في العمل المشرف والثبات على المبادئ الصحيحة والمعتقدات الحقة واليقين بالنجاح.

انه لزام على المعلمين والمربين ان يلقنوا الاجيال الصاعدة وان يشرحوا لهم منافع كرم النفس وطيب الاخلاق بجانب منافع الفحم والحديد وسائر المواد الحية.

بذلك يغرسون في نفوسهم العواطف الابدية بالمعارف وتطبيقاتها العلمية حتى تجني الانسانية ثمر تلك المعارف والا جاءت تلك المعارف وتطبيقاتها في مظاهرها المادية الصرفة مجردة عن اغراض الانسانية الفاضلة وجمال الروح السامية، فينقلب الغرض المنشود الى امور عكسية تقوض صرح الانسانية وتكتسح العواطف النبيلة وتمحو المشاعر الرقيقة وتطمس الضمائر الحية وترد الانسان الى وحشيته الاولى، وان لنا من مبادئ ديننا الاسلامي القويم وادابه العامة وقواعده الثابتة المركزة على البراهين المنطقية والادلة الناصعة ومن لغتنا العربية الخالدة ومالها من محاسن واداب وفنون قلما تجتمع في لغة اخرى من لغات العالم، ومن تقاليدنا النابعة من صميم قوميتنا والمنبثقة من احساسنا ومشاعرنا، والمتلائمة مع امالنا وامانينا، ما فيه غناء لنا يجب علينا الاعتزاز به والمحافظة عليه فاننا بالمحافظة على ذلك التراث العظيم الخالد تملك اقوى الوسائل الفعالة التي تعصمنا عن التقليد الاهوج الانصياع الاعمى وراء ما عهد للغير من اداب ومدنية زائفة لاتتفق واذواقنا العربية مما احدث تلك الفجوة العميقة والهوة السحيقة بين افكارنا وبين مالنا من الاداب العربية الموروثة والتقاليد القومية ذات الصبغة العربية، واننا باحياء ذلك التراث وتطويره تطويراً منسجماً ومتمشياً مع تيار الحياة التقدمية الصاعد انما نصنع لنا سوراً من المجد والعظمة وقلعة حصينة من العز والكرامة المنبعثة من صميم عروبتنا، وبذلك نحمي كياننا القومي ومجدنا الاثيل وعزتنا «وكم عز قوم بعز لغات».

العدد 169 في 21 فبراير 1959