يجب أن نراجع حياتنا

علي حيدرة أحمد علي:

كل منا يعرف شئون حياته الخاصة اكثرمما يعرفها غيرة ولكن الواقع ان «غيرة» هذا يستطيع ان يرشده ويبصره باخطائه اكثر مما يستطيع هو نفسه.

وذلك لسبب واحد هوان كلامنا يرتبط بالتفصيل وهذا الارتباط يحول بينه وبين النظرة الشاملة لحياته كلها.

واختباري انا ان ما يفصل احدنا من الاخر في مقدار الذكاء هو هذه «النظرة الشاملة» فالانسان الذكي على الدوام ينظر إلى الاشياء والشئون والناس النظرة المحيطة الشامل وغيره يقف عند التفاصيل وينظر إلى الجزء بدلا من الكل فتختل موازينه وتزيغ عن الصواب. ونحن لانعرف كيف ننتقد انفسنا لان هناك من التفاصيل مانعجز عن التخلص منها ولذلك يكون رأينا عن انفسنا دون الراي الذي يرتئيه غيرنا ويجهل هذه التفاصيل.. اعتبر هذا المثل.

زوج يكره زوجته مشادة حدثت بينهما تبودلت فيها كلمات غير حكيمة، وهو كلما حمل على نفسه على ان يصالحها عادت إلى ذاكرته بعض هذه الكلمات، بل عادت اليه زوجته الكاشرة وتهجماتها الوقحة فهو متأثر بهذه التفاصيل مع ان كل ما حدث بينهما خلاف غير خطير تدرج بالنزق والانفصال إلى مشاجرة لم تزد على دقائق. فالزوج هنا مرتبط، وأحب ان اقول مرتبط بالجزء الذي يعميه عن الكل وبالتفاصيل التي تعميه عن الجملة ولذلك يشيح بوجهه وبقلبه عن زوجته ويتعفن كلاهما في الخصومة، ولكن الغريب الذي يجهل هذه التفاصيل يذكر الكل بدلا من الجزء فيعرض للحياة الزوجية كلها بينهما ثلاثون او اربعون سنة من العشرة ورعاية الابناء ووحدة الهدف فيجد ان هذا الشجار يمد من التفاهة بحيث لا يذكر إلى جنب«كل» الحياة الزوجية إلا شجار يعمينا عن رؤية الجملة والكل والمجموع, ويصدق هذا على كل شأن من شئوننا.

اعتبر مصلحة من المصالح الحكومية او احدى الشركات الحرة قد اربكت اعمالها فان النظرة الاولى تحملنا على الظن بان الافراد في هذه المصلحة او هذه الشركة هم خير من يصلحونها لانهم يعرفونها اكثر من غيرهم ولكن الواقع غير ذلك لان عواطفهم مربوطة بالتفاصيل الصغيرة وبالعمل المكرر وبالجسد وبالعبرة وبالخصومات القديمة ولذلك يعجزون عن الاصلاح ولذلك ايضا تختار الحكومة لجنة مؤلفة من الغرباء الذين لايعرفون الاشخاص في هذه المصلحة او الشركة وعندئذ تنظر اللجنة النظرة الشاملة المحيطة بكل التفاصيل فتتضح امامها الاهداف ثم تعين هذه الاهداف الطرق إلى الاصلاح كما ان الشخص الغريب يستطيع اصلاح الحياة الزوجية اكثر مما يستطيعها الزوجان والعبرة لنا لكل فرد منا ان نراجع حياتنا كما لو كنا غرباء نسقط التفاصيل ونبرر الجملة أي ننظر النظرة الشاملة لحياتنا نظرة الغريب الذي يرى الكل ولا يرى الاجزاء وعندئذ تتضح لنا الاهداف التي نصححها ان كانت مخطئة ثم نعين الوسائل لتحقيقها.

ومهما ظننت نفسك ايها القارئ انك في الواقع مرتبط بالتفاصيل التي تلابس عواطفك وتشبك الصحيح والزائف الانفعالات والاطماع والعادات التي تربكك وتفسد حكمك على الاشياء وتزيف فلسفتك عن الحياة.

ولكن من أين نأتي بهذا الغريب الذي ينظر النظرة الشاملة لحياتنا؟ الجواب اننا نستطيع ان نكون نحن هذا الغريب وذلك بان نترك اعمالنا التكرارية، التي سري مافيها من العادات في عروقنا واصبحت جزءا من فسيولوجية اجسامنا وكيان نفوسنا ونقصد إلى مصيف او مشتى وننفرد في خلوة بل في خلوات فان البعد عن مكان اعمالنا يغير بعض الشيء من عواطفنا ثم الخلوة تتيح لنا التأمل النزيه لحياتنا فنعرض لماضينا وننفذ ونفكر كما لوكان احدنا مهندسا يضع «التصميم» او التخطيط لبناء مسكن او معهد.

وكما ان المهندس قبل ان يخط خطا يسأل ماذا يراد من هذا؟ منزلا ام معهد أي ماهو الهدف من البناء؟ كذلك نحن نستر شد بالهدف فتسأل ماذا نريد من حياتنا وعندئذ نفلسف وفلسفتنا هنا هي مجموعة من الآلآم لأخطائنا في الماضي والافراج لتصحيحاتها في المستقبل فأننا نسأل عشرات الاسئلة التي تدخل في صميم حياتنا لماذا اجمع الثروة ولماذا اتشاجرمع زوجتي؟ ولماذا هذه القضية التي يمكن الصلح فيها بايسر سبيل ؟ ولماذا اهمل اصدقائي او دراساتي ولماذا الخمر ولماذا التعب في بناء مسكن بالديون وهل انا مؤمن بهذا المذهب السياسي او غير السياسي وبماذا اؤمن ولماذا للناس مكتبات في بيوتهم وليس لي مكتبة اجل علينا جميعا ان نراجع حياتنا بالخلوة وننتقدها كما لوكنا غرباء عنها.

العدد 457 في 30 يناير 1960م