> محمد نجيب:

تمهيد.. عندما تقرر أي حكومة الاقتراض، فذلك يرجع إلى وجود عجز في الموازنة 1 العامة،والتي تحتوي على خطة الإنفاق والإيرادات الحكومية لفترة قادمة ومحددة (في العادة 12 شهراً ميلادياً)، يمثل هذا العجز الفارق بين إجمالي الإنفاق (الصرف) الحكومي وإجمالي الإيرادات (الدخل) الحكومي أثناء الفترة الزمنية للموازنة، وإذا أريد لخطة الموازنة أن تنفذ فلا بد من تمويل تغطية العجز بالاقتراض 2 (الدين)،وكما تبين الموازنة العجز المرتقب فإنها أيضاً توضح سبل/ وسائل دفع/ رد الاستحقاقات المالية (الدين) التي استخدمت لتمويل العجز.
ولأن أغلب المشاريع الاستثمارية والتنموية الحكومية تستغرق فترة زمنية أطول من فترة الموازنة ( 12 شهراً) لإعدادها وتجهيزها وتنفيذها للعمل/ للإنتاج، إلى أن تصبح وتكون مالياً (تدفقا نقديا) قادرة على دفع وتصفية الالتزامات )القروض/
ائتمان( القائمة بحسب أحجامها وأجلها،فإن آمال هذه الاستحقاقات المالية القائمة يمتد ليدخل ضمن بنود “الموازنة” العام التالي ك “دين” قائم بالإضافة إلى خدمة هذا الدين، وفي حال تجاوز الإنفاق الإجمالي عن الإيرادات الإجمالية في موازنة/موازنات لاحقة وظهور العجز/العجوزات، يتم التعامل بنفس الطريقة وهي الاقتراض.
واستمرار هذا الحال كما هو (عجوزات) 3 في الموازنات خلال الفترات الزمنية المتعاقبة (سنه بعد أخرى) تؤدي إلى (تراكم) مبالغ تكون في مجملها الدين العام.
إذن.. الدين العام هو الناتج للعجز المتراكم في ميزانية الدولة، فلماذا تسمى الديون التي تقترضها الدولة بالديون
العامة؟. إن مواطني البلد/الوطن، هم شعب وأمة ذات الوطن/البلد، وهم أيضاً عامة البلد/الوطن.
والدولة (الدول) هي ملك الشعب (الشعوب)، أي ملك الأمة (الأمم)، يعني ملك العامة.
والحكومة المنتخبة ديمقراطيا في أي بلد/وطن هي أساس ممثل لهذه العامة (الشعب) التي أعطت لهذه النخبة الحاكمة
توكيلا/تفويضا دستوريا (انتخابها بالإجماع أو بالأغلبية) باتخاذ القرار المناسب الذي تجده (أي الحكومة) الأجدى والأصلح والمناسب للحفاظ على مصالح البلد/الدولة وصيانتها، وبالقدر نفسه مصالح وحقوق مواطني وشعب/ عامة ذات الوطن/البلد.
وأي قرار تتخذة الحكومة (سياسي،اقتصادي، اجتماعي.. الخ) عبر القنوات الدستورية والتشريعية (مثلا البرلمان) هو من الناحية النظرية قرار اتخذه العامة (التوكيل/التفويض الديمقراطي)، وعليه فإن هذه العامة مسؤولة عن مثل هذه القرارات أو الأفعال (الحكومية) مسؤولية مباشرة وملزمة وأخلاقية وغير قابلة للنقض، وكذا على نتائج هذه القرارات أو
الأفعال.
فإذا قررت الحكومة التي تدير دفة الأمور بالبلد/الوطن (بموجب التوكيل/ التفويض الديمقراطي) إقامة علاقات دبلوماسية مع دولة أجنبية، وبعد فترة اشتكت الدولة الأجنبية من أنشطة الدولة التي اعترفت بها للأمم المتحدة التي قررت إنزال عقوبات بحق الأخيرة يتأثر بها الشعب/العامة، الذي هو المسؤول عن وصول الأمور إلى هذا الحد (نظريا) بسبب توكيله/تفويضه (انتخابه) للحكومة القائمة.
وإذا اقترضت الدولة من أي جهة قانونية ومعتمدة وشرعية (وطنية و/أو خارجية) لسد عجز الموازنة و/ أو لأي سبب جوهري ومهم للبلد/للوطن، فهذا معناه أن )العامة( مسؤول/مسؤولية مباشرة وملزمة وغير قابلة للنقض أو العدول عن سداد هذا الالتزام وملحقاته (إن وجدت)، حتى وإن قررت هذه (العامة) أن تنقل تفويضها/توكيلها القانوني/ الدستوري (عبر انتخابات ديمقراطية جديدة) إلى حكومة أخرى (جديدة فازت ديمقراطيا) فسوق يبقى التزام وفاء ودفع هذا القرض/الدين من الناحية النظرية مسؤولية على العامة إلى أن يسدد/يدفع حتى وإن تغيرت الحكومات (أثناء فترة الاستحقاق) طال الزمن أم قصر.. إذن هو دين عام.
ونحن عندما نتكلم عن الحكومة (فنحن لا نقصد مجلس الوزراء) فإننا نأخذ بعين الاعتبار كل المؤسسات (اقتصادية، مالية،
اجتماعية .. إلخ) التابعة للدولة بالكامل والتي تدخل بالتزامات مباشرة مع جهات داخلية وخارجية (وبما هو مخول ومشرع
لها بقانون ودستور الوطن)، وحيث تدرج مثل هذه الالتزامات ضمن الالتزامات الكلية للدولة وتدخل بالمالية العامة.
وكمثال وليس للحصر فإن المؤسسات التالية يطلق عليها مؤسسات عامة أو مؤسسات سيادية، وفي هذه الحالة فإن كلا الاسمين يحملان نفس المعنى: البنك المركزي - الميناء - المطار - البلديات - الناقل الوطني.
نقول إذا قرأت أو سمعت أن بلدية محافظة عدن قد وقعت اتفاقية تمويل (على افتراض أنها تحصلت على الموافقة القانونية والدستورية) مع بنك وطني بالعملة المحلية لبناء مبنى جديد للبلدية فاعلم أن (بلدية محافظة عدن) قد أقحمت الدولة في دين عام يضاف إلى قائمة (الديون العامة) القائمة إن وجدت.
1 - الموازنة لفترة قادمة - مستقبلية،الميزانية ما تم تحقيقه عن فترة سابقة.
2 - هناك طرق أدوات أخرى لتغطية العجز سوف نأتي على ذكرها في مقالات مستقبلية بإذن الله.
3 - ربما يحصل أن تقدم الحكومة في سنة مالية موازنة متساوية (الإنفاق يساوي الإيراد) ولكن الدين يستمر بالانتقال والظهور والبقاء إلى أن يتم دفعه - تصفيته.