> عبد الباري طاهـر
*مدخل عام
في حمى النزاع، خصوصاً العنيف، تختفي معالم الحق والحقيقة في غبار كثيف من السرية، والكلمات والجمل المجرمة والاتهامية، وتصوير كل طرف للآخر بأنه مصدر الويلات. ويكون التكفير والتخوين من أفتك الأسلحة في النزاعات العربية، واليمن منها بصورة خاصة.
كيف تعاطى الصحفيون اليمنيون مع الصراع القائم؟ وكيف تناولت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي الصراع بأبعاده المختلفة؟
الصحافة الحساسة للنزاع جديدة عالمياً وعربياً. أما في اليمن فجديدة كل الجدة. والبحث في الصحافة اليمنية، ووسائل التواصل الاجتماعي فيه قدر من الصعوبة، خصوصاً في أزمة الصراع المسلح في مناطق عديدة في اليمن، وينعكس الصراع سلباً أو يمتد إلى كل وسائل الإعلام والتعبير، ويتوزع الصحفيون، وأصحاب الرأي على المساحات الضيقة، وتستخدم أدوات التعبير الأكثر تجريماً وإدانة، والألفاظ المسيئة والقاسية.
*أنموذج مستقل
للدكتورة بلقيس محمد علوان. والأنموذج يمتح من بئر الصحافة الحساسة للنزاع. ومقالات الدكتورة - في الغالب الأعم - تنحو منحى التشخيص الموضوعي الهادف والهادئ لحل النزاع، ولنقد الحرب، وإبراز الكوارث الناجمة عنها. فتحت عنوان (الحظر الجوي السجن الكبير)، تتناول الدكتورة الحظر المفروض على مطار صنعاء من قبل قوات التحالف بقيادة العربية السعودية. ترى الدكتورة أنه منذ بدء العمليات العسكرية على اليمن في 26 مارس 2015، تحول المواطنون اليمنيون في المحافظات المعتمدة في سفرها على مطارات صنعاء والحديدة وتعز إلى نزلاء سجن كبير. توقفت الرحلات الجوية، والحالات الاستثنائية المسموح فيها برحلات تحولت إلى إهدار للكرامة، وتعذيب إنساني. مئات الطلاب علقوا لأسابيع ولشهور، وحرموا من الدراسة، أو زيارة الأهل، ومرضى وقعوا تحت طائلة لم تكن بالحسبان، وهناك عشرات القصص طافحة بالألم.
وتشير إلى توقف الطيران في مطار بيشة، وما يتعرض له اليمنيون من انتهاك، وسوء معاملة قبل أن يفرض الحظر الكلي على الرحلات، مؤكدة أن معاناة المرضى لوحدها تستدعي محاكمة كل الأطراف. تذكر قصة فارع اليمني الذي فارق الحياة في مصر، واستحالة نقل جثمانه. وما زال عبد الله وزوجته يبكيان طفلتهما المسعوفة للأردن التي فارقت الحياة بسبب العراقيل، والهبوط في بيشة السعودية لعدة ساعات. وتتناول متاعب السفر إلى مطار عدن أو سيئون في طرق وعرة وغير آمنة ونقاط تفتيش عديدة، وقد تصل إلى أكثر من عشرين ساعة، وتورد الباحثة الصحفية قصصاً عديدة لمرضى ولطلاب مسافرين يبحثون عن الرزق، بينما المفاوضون يسافرون دون عوائق، ويحظر سفر المرضى والمواطنين العاديين.
رغم بعض التعابير القاسية تحول سكان المحافظات المعتمدة في سفرها على مطار صنعاء والحديدة وتعز إلى نزلاء سجن كبير إلا أنه واقعي، ويستجيب لمبادئ الصحافة الحساسة للنزاع في تشخيص الداء كأسلوب الطبيب المعالج.
إبراز معاناة المواطنين في هذه المحافظات المحاصرة بإغلاق المطارات، ومنع وصول العلاج والغذاء أيضاً مهم بالنسبة لمبادئ الصحافة الحساسة «بحث مؤشرات النزاع ومكوناته» و«إظهار مدى إحباط الناس وحرمانهم من ممارستهم حياتهم اليومية، وحقهم الطبيعي في الحياة، وهو ما يؤدي إلى العنف البنيوي والثقافي».
تدعو «إلى محاكمة كل الأطراف». وهو ما يعني عدم الانحياز لطرف ضد طرف، حسب مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع. وأيضاً إلقاء التبعة والمسئولية على جميع الأطراف بالتساوي. الإتيان على تفاصيل معاناة إغلاق معاناة مطار صنعاء والحديدة، وما ينجم عنه، ويترتب عليه من مآسي ومتاعب مهم؛ لأنه يفتح عيون المنخرطين في الحرب على المعاناة الشاملة المترتبة على استمرار النزاع، ثم إنها أيضاً تزكي الرأي العام الداخلي والدولي للمزيد من الضغط على قوى النزاع، ودول التحالف لفتح المطار، والسعي للحل السياسي السلمي.
ضربت الأمثلة بقصة فارع اليمني الذي فارق الحياة في مصر بسبب العراقيل، واستحالة نقل جثمانه، وقصة عبد الله وزوجته اللذان يبكيان طفلتهما المسعوفة للأردن، وقد فارقت الحياة بسبب العراقيل، وهو أيضاً إبراز للمآسي الناجمة عن النزاع، حسب مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع.
وتتناول الصحفية قصة السفر عبر طريقي عدن أوسيئون والتي تسيطر عليها قوات الشرعية، وقوات سلطة الأمر الواقع، وتصف وعورة الطريق، وكثرة النقاط للتفتيش، والمخاوف الأمنية؛ حيث يستغرق المسافر أكثر من عشرين ساعة؛ مما يجسد أسلوب الصحافة الحساسة للنزاع في عدم إلقاء اللوم على طرف واحد والتي يقول جميع أطراف النزاع إنهم لم يقصدوها. ثم إنها أيضاً تساوي بين هذه الأطراف في المسئولية، ولا تنحاز لطرف ضد الآخر.
تبرز التمييز في المعاملة بين الجرحى والمرضى والطلاب والباحثين عن الرزق (المهاجرين)، وبين المسئولين الذين يتحركون بكل الحرية. وهنا أيضاً تساوي بين أطراف النزاع في الاستهانة بمعاناة المواطنين، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية والتي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية، ويتساوى كلا الطرفين في ممارسة «الظلم»، واحتكار الامتيازات.
تشير إلى قضية المرتبات. وقصة المرتبات أيضاً قصة مشتركة بين طرفي النزاع: الشرعية، وسلطة الأمر الواقع. كلا الطرفين ينهبان مرتبات الموظفين، وحتى الجنود، والضباط، والمدينة المحاصرة تعز. وهي هنا أيضاً تبرز عمق المعاناة المطيلة لأمد النزاع، ويتشارك فيها أطراف النزاع.
تندد ـ ومعها كل الحق - بعدم إحساس أطراف النزاع بمعاناة المواطنين، مشيرة إلى أن ورقة المطار ستظل عالقة شأن المرتبات التي يستخدمها أطراف الصراع، ويدفع ثمنها المواطنون. الموضوع رغم التشخيص الدقيق والعميق الموضوعي والصادق يعتمد على معلومات دقيقة وموثقة أيضاً، ويتجنب التهم الجزاف، أو الإثارة، أو الألفاظ المسيئة. والأروع في هذه المقالة المشخصة والناقدة أنها تتناول كل أطراف الصراع.
*أطفال اليمن الضحية الأولى للحرب
تحت هذا العنوان كتبت الساردة والناشطة بشرى المقطري مقالة عن الحرب بالأطفال وعلى الأطفال في جبهات القتال في اليمن كلها.
جرفت أطراف الحرب وحلفاؤها حاضر أهل البلاد بما في ذلك حياتهم، ولم تكتف بذلك بل حرصت على استهداف الأطفال ومستقبلهم، مقوضة بذلك مستقبل اليمن واليمنيين.
لا شك أن الأطفال في هذا النزاع هم الضحية الأولى. فالتقارير الدولية الموثقة تشير أن أكثر من مليون طفل يعانون من نقص الغذاء. ولا شك أن الحرب سبب رئيس لهذا النقص.
الكاتبة غير منحازة لأي طرف من أطراف النزاع؛ فهي تلقي بالمسئولية على كل أطراف النزاع وحلفائهم، وهو ما يتواءم ومبادئ الصحافة الحساسة للنزاع (عدم الانحياز لأي طرف من أطراف النزاع).
وتشير: لا تقتصر فداحة الحرب على الأطفال كونهم الضحايا الأكثر: بالقتل المباشر، وبالموت جراء الكوليرا، وتجريدهم من الحماية الاجتماعية والقانونية؛ فضلا عن تأثرهم بالتبعات المباشرة للحرب: تدمير المدارس ، تحويلهم إلى متسولين ومعاقين وجرحى، وتحميلهم مسئولية أعباء الحياة بعد قتل آبائهم في الحرب، فيتحملون مسئولية إعالة أسرهم الفقيرة بالعمل في مهن حقيرة، وظروف عمل غير إنسانية بأجور متدنية.
الكاتبة تعمد إلى التشخيص الصادق الأمين والموضوعي بأسلوب الآسي الذي يعرض المأساة الناجمة عن التنازع بدون الإثارة أو التهييج، بأسلوب هادئ ورصين كنهج الصحافة الحساسة للنزاع، وإبراز آثار النزاع وتبعاته؛ فهي تعمم ولا تلقي اللوم على شخص ما ابتداءً، وكيف تؤدي القضايا والمشاكل المختلفة إلى عواقب يدعي الأطراف جميعاً عدم قصدها.
اليمن بين ماضي الحرية وحاضر الاستعمار للكاتبة نبيهة محضور.
تتناول الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين لثورة الـ26 من سبتمبر الثورة الوطنية في شمال الوطن. نشرت المقالة (العمود) في صحيفة (اليمن اليوم)، الخميس 28 سبتمبر 2017 عدد (1770).
تتحدث الكاتبة بصورة عامة عن مشعلي الثورة السبتمبرية ضد الظلم والاستبداد؛ ولبناء الإنسان اليمني فكراً وثقافة وسلوكاً؛ ولترسم خارطة اليمن السياسية؛ لتعبر نحو الديمقراطية والجمهورية من خلال الأهداف الستة لبناء مجتمع ديمقراطي عادل، يستمد أنظمته من روح الإسلام، يتساوى فيه أبناء اليمن دون تمييز. ثم تشير إلى المفارقة ما بين الأهداف وما وصل إليه الحال في اليمن، أصبحت فيه حياة الملايين لا تساوي شيئاً، وتتحدث عن فقدان الإحساس الوطني، وتشير إلى الحقوق المغيبة والمهدورة.
تقترب الكاتبة من مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع؛ فهي تشيد بالثورة الوطنية سبتمبر 62، وتنتقد الأخطاء والممارسات بدون إساءة أو تجريح أو تعصب. لغتها هادئة ورصينة؛ فهي أقرب للصحافة الحساسة في كم هائل من المقالات والتعليقات والتحقيقات الزاخرة بالمواضيع، والمقالات المفتقرة للحد الأدنى من أسلوب الصحافة الحساسة للنزاع.
أحزان بيت العرس في صحيفة (الميثاق)، صحيفة المؤتمر الشعبي العام، 26 سبتمبر 2017، عدد ( 1876)
تحت هذا العنوان كتب الصحفي المخضرم عبد الله الصعفاني، عضو هيئة تحرير صحيفة الثورة (الصحيفة الرسمية)، وعضو مجلس قيادة نقابة الصحفيين. كتب عن الأهداف الستة لثورة سبتمبر، ويتساءل: متى تنتقل الشعارات إلى الفعل الثوري؛ لتكون مثلثاً للرعد والضوء والمطر؟ ويرى أن القادة المتعاقبون تعاطوا مع أهداف الثورة بارتعاش حيناً، وفجور في أحايين كثيرة، ولم يقبلوا بالشراكة الحقيقية، ويتهمهم بالارتداد عن أهداف الثورة، مؤكداً أن الشعب ما زال ينتظر القدوة، وينقل تساؤل الجميع: هل تحررنا من الاستعمار والاستبداد؟ وهم ـ أي الشعب - يرون المحتلين فوق منابع النفط والغاز والموانئ والجزر. ويتساءل: كيف جرى اختزال القومي والإسلامي والاشتراكي لرصيده التنظيري في مجرد مفتاح غرفة في فندق في الرياض؟ ويدين مفردات الفتن في التلفزيونات، وحوائط إعلامية تصادر الأمل حتى في أن نكون مشاريع لاجئين محترمين. ويواصل التساؤل عن التطلع لثورات وحركات وانقلابات بينما الأهداف لا تزال تنتظر.
يدين التفريط بالوحدة، كما يدين إغلاق أبواب المدارس، مشبهاً ذلك بحماقة البكاء في بيت العرس، أو الفرح في سرادق العزاء. المقالة تنوس بين الصحافة الحساسة للنزاع والصحافة التقليدية، وإن كانت أقرب للصحافة الحساسة للنزاع؛ فالاتهام فيها عام ومبرر. وفيها قدر من الانحياز ضداً على طرف في الصراع (مجموعة الرياض)، وهو عضو قيادي في المؤتمر الشعبي العام.
نموذج صحفي إصلاحي عن الاحتفال بالذكرى الـ55 لثورة سبتمبر.. المقالة لعبد الملك شمسان:
وهو أيضاً ناشط إصلاحي (التجمع اليمني للإصلاح). نشرت المقالة في مواقع التواصل الاجتماعي. يتناول شمسان العمق الجديد في الشعور لدى كل يمني مستنير، ليس مجرد يوم بل تتويج لعقود طويلة من النضال لشعب تواق للحرية، عاشق لعز الحياة، يرفض الاستبداد والاستعباد. يشيد بدور الثورة التي أخرجت الشعب اليمني من الظلام، منتقداً النظام السلالي الذي يمسك المال والسلاح، ويتمسك بأكاذيب الاصطفاء الإلهي، مستغلاً العاطفة الدينية والجهل، وعما قريب يصحو على فزع هو وحلفاؤه ـ إشارة للمؤتمر - ممن بلغوا السلطة بفضل الجمهورية، ثم تملكوه وتنكروا للجمهورية، وارتدوا يطعنون به ظهرها غدراً وخيانة وإنكاراً لقيمها وأهداف ثورتها، وتنكراً لفضلها، واستخفافاً بتضحيات شعب بأسره، مندداً بالتغرير بأبناء الشعب الذي ما تزال كرامة الجمهورية تنبض فيهم، ولا يمكن أن يستمروا في طريق العبودية، وهاماتهم لا يتوقع منها أن تستمر في الانحناء. والمقالة رغم النبرة الهادئة تنطوي على روح خصومة النزاع القائمة، ولا يمكن أن تكون حيادية؛ فهي تتضمن الاتهام، وفيها قدر غير يسير من روح الخصومة.
والأنموذج الأخير المراسل الصحفي محمد الديلمي الذي يقدم قراءة ناقدة للتدخل العربي السريع؛ لتقويض النظام في اليمن وبدعم الإمبراطورية التي تجند - حسب قوله - فرسانها، وتقرر ما هو الخير وما هو الشر، مؤكداً أن الشعوب العربية لا تمتلك قادة مستنيرين لسوء حظهم، ولا يراه في المستقبل، متوقعاً ثورة القيامة (البعث) لعالم عربي قوي لا تحركه أداة الدين. ويشير إلى الزعامات العربية جمال عبد الناصر والقذافي الذين لديهم فكرة معينة عن دولة الأمة العربية، وقد تم القضاء عليهم.
اليمنيون الذين لقوا حتفهم ازداد عشرات الأضعاف، ويخلص إلى النتيجة الفاجعة: «إنه من بين علامات نهاية العالم الإسلامي حدوث حريق من جهة اليمن؛ فهل هذه هي العلامة؟ المقالة المقتضبة، وإن أدانت التدخل العربي والأجنبي في اليمن، إلا أنها لا تتناول الحرب الداخلية بأطرافها المختلفة، لتنتهي إلى توقع فاجع، ولا تمثل الصحافة الحساسة».
في مقالة بعنوان (لمصالحة وطنية مستدامة بشكل رئيسي) يقدم لنا الصحفي هشام محمد رؤيته:
«إذا ما انطلقت من إيمان حقيقي للأطراف المعنية بعدم جدوى استمرار الحرب، والرغبة الحقيقية في إنهائها. بمعنى آخر عندما تكون الحرب قد استنفدت مبرراتها، وأصبحت أطراف الصراع عاجزة عن الحسم، مع وجود حراك وضغط مدني وشعبي خاصة إذا استطاعت الحركة الجماهيرية إفراز قيادات قادرة على لعب دور رئيسي».
الخطاب منذ الجملة الأولى دعوة لمصالحة وطنية، وإنهاء النزاع بين الأطراف المعنية. فالكاتب مع وضع نهاية للنزاع. وبداهة فبالتصالح تكون كل الأطراف رابحة كمبادئ «الصحافة الحساسة للنزاع». والإشارة إلى عجز كل الأطراف عن الحسم يعني تساوي أطراف النزاع؛ فهو بعيد عن التحزب والانحياز، ويتضمن أيضاً معنى من معاني أنسنة هذه الأطراف، ودعوة للضغط الشعبي الذي لا يقف بالنزاع عند تخوم أطرافه المتصارعة، وإشراك أطراف جديدة للإسهام في الحل.
يشير: «أن المصالحة تتعقد عندما يكون أحد الأطراف أيديولوجي يقاتل دفاعاً عن حق مقدس. تتعذر المصالحة مع الأطراف ذات العصبيات؛ لأن القتال يدور حول المقدس».
يضيف: «التنازلات تخضع لقوة الموقف على الأرض، وتضع اعتبارات كبيرة لمواقف ورضا الداعمين الدوليين لها في حربها. تكون المصالحة الوطنية بين الجماعات السياسية المؤمنة بالتعددية ممكنة لمجرد تفاقم الوضع الإنساني».
يشخص الكاتب حالة النزاع بصورة عامة، وهو بصورة ما إسقاط على الحالة اليمنية، ولكنه لا يتضمن إدانة أو تجريماً؛ فهو أشبه بتشخيص ووصف الحالة.
يرى أن الجماعات المناطقية والدينية لا يمكن أن تقدم تنازلات ما لم يحدد نصيبها من الحرب. مؤكداً أن توافق الإرادات والإجماع الدوليين عصا غير محببة تلوح، وهو ما يجب أن يتوفر لأي محاولة للمصالحة الوطنية في اليمن. وهو هنا لا يقف عند توصيف الداء، ولكنه يضع الحلول ممثلة في إبراز العائد من التصالح، وأيضاً تشريك الطرف الدولي. وفي حالة اليمن فإن الأطراف الداخلية ضعيفة، وتضعف باضطراد لصالح الأطراف الإقليمية، والارتهان لهذا الصراع، الأمر الذي يكون معه الضغط الدولي هو العصا الغليظة التي لا بد وأن تقبل بها مختلف الأطراف.
يقترح هشام للحل: «وضع حلول عملية ومنهجية تأخذ في الحسبان الخصوصية الثقافية، ومبادئ العدالة الاجتماعية، وتشخيص جذور المشكلات، ووضع الحلول المناسبة».
ويرى: «ينبغي أن تقدم جميع الأطراف تصوراتها لطبيعة السياسة المستقبلية في الوطن المشترك الخالي من مسببات الصراع».
فهشام هنا يراعي مصالح أطراف النزاع، وحقها في أن تضع تصورها للحل، مع الحرص على مراعاة الخصوصية الثقافية «بما فيها المعتقدات طبعاً، ومبادئ العدالة الاجتماعية».
فالكاتب يقدم نصاً متوازناً غير منحاز لطرف، يتسم بالموضوعية والصدق والحرص على حل النزاع بدلاً من استمراره، وهو يرى مختلف الأطراف بما في ذلك الأطراف غير المنخرطة في النزاع، والأطراف الدولية ذات العصا الغليظة، حسب تعبيره.
ولتعزيز أنموذج الصحافة الحساسة في اليمن فقد أجريت مقابلة مع الأنموذجين اللذين يمثلان أسلوب الصحافة الحساسة للنزاع، وهما: الدكتورة بلقيس محمد علوان، والصحفي المخضرم عبد الله الصعفاني. فالدكتورة بلقيس محمد علوان تتحدث عن الصراع، وعلاقته بالإعلام، وتجربتها في الكتابة عن النزاع. أما الصحفي عبد الله الصعفاني فيرد على النزاع في اليمن، وأطرافه العديدة، فيرى أن النزاع متعدد الأطراف، ومساراته المختلفة، ورؤيته للحل السياسي تراعي هذا التنوع.
في حمى النزاع، خصوصاً العنيف، تختفي معالم الحق والحقيقة في غبار كثيف من السرية، والكلمات والجمل المجرمة والاتهامية، وتصوير كل طرف للآخر بأنه مصدر الويلات. ويكون التكفير والتخوين من أفتك الأسلحة في النزاعات العربية، واليمن منها بصورة خاصة.
كيف تعاطى الصحفيون اليمنيون مع الصراع القائم؟ وكيف تناولت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي الصراع بأبعاده المختلفة؟
الصحافة الحساسة للنزاع جديدة عالمياً وعربياً. أما في اليمن فجديدة كل الجدة. والبحث في الصحافة اليمنية، ووسائل التواصل الاجتماعي فيه قدر من الصعوبة، خصوصاً في أزمة الصراع المسلح في مناطق عديدة في اليمن، وينعكس الصراع سلباً أو يمتد إلى كل وسائل الإعلام والتعبير، ويتوزع الصحفيون، وأصحاب الرأي على المساحات الضيقة، وتستخدم أدوات التعبير الأكثر تجريماً وإدانة، والألفاظ المسيئة والقاسية.
*أنموذج مستقل
للدكتورة بلقيس محمد علوان. والأنموذج يمتح من بئر الصحافة الحساسة للنزاع. ومقالات الدكتورة - في الغالب الأعم - تنحو منحى التشخيص الموضوعي الهادف والهادئ لحل النزاع، ولنقد الحرب، وإبراز الكوارث الناجمة عنها. فتحت عنوان (الحظر الجوي السجن الكبير)، تتناول الدكتورة الحظر المفروض على مطار صنعاء من قبل قوات التحالف بقيادة العربية السعودية. ترى الدكتورة أنه منذ بدء العمليات العسكرية على اليمن في 26 مارس 2015، تحول المواطنون اليمنيون في المحافظات المعتمدة في سفرها على مطارات صنعاء والحديدة وتعز إلى نزلاء سجن كبير. توقفت الرحلات الجوية، والحالات الاستثنائية المسموح فيها برحلات تحولت إلى إهدار للكرامة، وتعذيب إنساني. مئات الطلاب علقوا لأسابيع ولشهور، وحرموا من الدراسة، أو زيارة الأهل، ومرضى وقعوا تحت طائلة لم تكن بالحسبان، وهناك عشرات القصص طافحة بالألم.
وتشير إلى توقف الطيران في مطار بيشة، وما يتعرض له اليمنيون من انتهاك، وسوء معاملة قبل أن يفرض الحظر الكلي على الرحلات، مؤكدة أن معاناة المرضى لوحدها تستدعي محاكمة كل الأطراف. تذكر قصة فارع اليمني الذي فارق الحياة في مصر، واستحالة نقل جثمانه. وما زال عبد الله وزوجته يبكيان طفلتهما المسعوفة للأردن التي فارقت الحياة بسبب العراقيل، والهبوط في بيشة السعودية لعدة ساعات. وتتناول متاعب السفر إلى مطار عدن أو سيئون في طرق وعرة وغير آمنة ونقاط تفتيش عديدة، وقد تصل إلى أكثر من عشرين ساعة، وتورد الباحثة الصحفية قصصاً عديدة لمرضى ولطلاب مسافرين يبحثون عن الرزق، بينما المفاوضون يسافرون دون عوائق، ويحظر سفر المرضى والمواطنين العاديين.
رغم بعض التعابير القاسية تحول سكان المحافظات المعتمدة في سفرها على مطار صنعاء والحديدة وتعز إلى نزلاء سجن كبير إلا أنه واقعي، ويستجيب لمبادئ الصحافة الحساسة للنزاع في تشخيص الداء كأسلوب الطبيب المعالج.
إبراز معاناة المواطنين في هذه المحافظات المحاصرة بإغلاق المطارات، ومنع وصول العلاج والغذاء أيضاً مهم بالنسبة لمبادئ الصحافة الحساسة «بحث مؤشرات النزاع ومكوناته» و«إظهار مدى إحباط الناس وحرمانهم من ممارستهم حياتهم اليومية، وحقهم الطبيعي في الحياة، وهو ما يؤدي إلى العنف البنيوي والثقافي».
تدعو «إلى محاكمة كل الأطراف». وهو ما يعني عدم الانحياز لطرف ضد طرف، حسب مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع. وأيضاً إلقاء التبعة والمسئولية على جميع الأطراف بالتساوي. الإتيان على تفاصيل معاناة إغلاق معاناة مطار صنعاء والحديدة، وما ينجم عنه، ويترتب عليه من مآسي ومتاعب مهم؛ لأنه يفتح عيون المنخرطين في الحرب على المعاناة الشاملة المترتبة على استمرار النزاع، ثم إنها أيضاً تزكي الرأي العام الداخلي والدولي للمزيد من الضغط على قوى النزاع، ودول التحالف لفتح المطار، والسعي للحل السياسي السلمي.
ضربت الأمثلة بقصة فارع اليمني الذي فارق الحياة في مصر بسبب العراقيل، واستحالة نقل جثمانه، وقصة عبد الله وزوجته اللذان يبكيان طفلتهما المسعوفة للأردن، وقد فارقت الحياة بسبب العراقيل، وهو أيضاً إبراز للمآسي الناجمة عن النزاع، حسب مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع.
وتتناول الصحفية قصة السفر عبر طريقي عدن أوسيئون والتي تسيطر عليها قوات الشرعية، وقوات سلطة الأمر الواقع، وتصف وعورة الطريق، وكثرة النقاط للتفتيش، والمخاوف الأمنية؛ حيث يستغرق المسافر أكثر من عشرين ساعة؛ مما يجسد أسلوب الصحافة الحساسة للنزاع في عدم إلقاء اللوم على طرف واحد والتي يقول جميع أطراف النزاع إنهم لم يقصدوها. ثم إنها أيضاً تساوي بين هذه الأطراف في المسئولية، ولا تنحاز لطرف ضد الآخر.
تبرز التمييز في المعاملة بين الجرحى والمرضى والطلاب والباحثين عن الرزق (المهاجرين)، وبين المسئولين الذين يتحركون بكل الحرية. وهنا أيضاً تساوي بين أطراف النزاع في الاستهانة بمعاناة المواطنين، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية والتي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية، ويتساوى كلا الطرفين في ممارسة «الظلم»، واحتكار الامتيازات.
تشير إلى قضية المرتبات. وقصة المرتبات أيضاً قصة مشتركة بين طرفي النزاع: الشرعية، وسلطة الأمر الواقع. كلا الطرفين ينهبان مرتبات الموظفين، وحتى الجنود، والضباط، والمدينة المحاصرة تعز. وهي هنا أيضاً تبرز عمق المعاناة المطيلة لأمد النزاع، ويتشارك فيها أطراف النزاع.
تندد ـ ومعها كل الحق - بعدم إحساس أطراف النزاع بمعاناة المواطنين، مشيرة إلى أن ورقة المطار ستظل عالقة شأن المرتبات التي يستخدمها أطراف الصراع، ويدفع ثمنها المواطنون. الموضوع رغم التشخيص الدقيق والعميق الموضوعي والصادق يعتمد على معلومات دقيقة وموثقة أيضاً، ويتجنب التهم الجزاف، أو الإثارة، أو الألفاظ المسيئة. والأروع في هذه المقالة المشخصة والناقدة أنها تتناول كل أطراف الصراع.
*أطفال اليمن الضحية الأولى للحرب
تحت هذا العنوان كتبت الساردة والناشطة بشرى المقطري مقالة عن الحرب بالأطفال وعلى الأطفال في جبهات القتال في اليمن كلها.
جرفت أطراف الحرب وحلفاؤها حاضر أهل البلاد بما في ذلك حياتهم، ولم تكتف بذلك بل حرصت على استهداف الأطفال ومستقبلهم، مقوضة بذلك مستقبل اليمن واليمنيين.
لا شك أن الأطفال في هذا النزاع هم الضحية الأولى. فالتقارير الدولية الموثقة تشير أن أكثر من مليون طفل يعانون من نقص الغذاء. ولا شك أن الحرب سبب رئيس لهذا النقص.

الاطفال ضحية الحرب
الكاتبة غير منحازة لأي طرف من أطراف النزاع؛ فهي تلقي بالمسئولية على كل أطراف النزاع وحلفائهم، وهو ما يتواءم ومبادئ الصحافة الحساسة للنزاع (عدم الانحياز لأي طرف من أطراف النزاع).
وتشير: لا تقتصر فداحة الحرب على الأطفال كونهم الضحايا الأكثر: بالقتل المباشر، وبالموت جراء الكوليرا، وتجريدهم من الحماية الاجتماعية والقانونية؛ فضلا عن تأثرهم بالتبعات المباشرة للحرب: تدمير المدارس ، تحويلهم إلى متسولين ومعاقين وجرحى، وتحميلهم مسئولية أعباء الحياة بعد قتل آبائهم في الحرب، فيتحملون مسئولية إعالة أسرهم الفقيرة بالعمل في مهن حقيرة، وظروف عمل غير إنسانية بأجور متدنية.
الكاتبة تعمد إلى التشخيص الصادق الأمين والموضوعي بأسلوب الآسي الذي يعرض المأساة الناجمة عن التنازع بدون الإثارة أو التهييج، بأسلوب هادئ ورصين كنهج الصحافة الحساسة للنزاع، وإبراز آثار النزاع وتبعاته؛ فهي تعمم ولا تلقي اللوم على شخص ما ابتداءً، وكيف تؤدي القضايا والمشاكل المختلفة إلى عواقب يدعي الأطراف جميعاً عدم قصدها.
اليمن بين ماضي الحرية وحاضر الاستعمار للكاتبة نبيهة محضور.
تتناول الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين لثورة الـ26 من سبتمبر الثورة الوطنية في شمال الوطن. نشرت المقالة (العمود) في صحيفة (اليمن اليوم)، الخميس 28 سبتمبر 2017 عدد (1770).
تتحدث الكاتبة بصورة عامة عن مشعلي الثورة السبتمبرية ضد الظلم والاستبداد؛ ولبناء الإنسان اليمني فكراً وثقافة وسلوكاً؛ ولترسم خارطة اليمن السياسية؛ لتعبر نحو الديمقراطية والجمهورية من خلال الأهداف الستة لبناء مجتمع ديمقراطي عادل، يستمد أنظمته من روح الإسلام، يتساوى فيه أبناء اليمن دون تمييز. ثم تشير إلى المفارقة ما بين الأهداف وما وصل إليه الحال في اليمن، أصبحت فيه حياة الملايين لا تساوي شيئاً، وتتحدث عن فقدان الإحساس الوطني، وتشير إلى الحقوق المغيبة والمهدورة.
تقترب الكاتبة من مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع؛ فهي تشيد بالثورة الوطنية سبتمبر 62، وتنتقد الأخطاء والممارسات بدون إساءة أو تجريح أو تعصب. لغتها هادئة ورصينة؛ فهي أقرب للصحافة الحساسة في كم هائل من المقالات والتعليقات والتحقيقات الزاخرة بالمواضيع، والمقالات المفتقرة للحد الأدنى من أسلوب الصحافة الحساسة للنزاع.
أحزان بيت العرس في صحيفة (الميثاق)، صحيفة المؤتمر الشعبي العام، 26 سبتمبر 2017، عدد ( 1876)
تحت هذا العنوان كتب الصحفي المخضرم عبد الله الصعفاني، عضو هيئة تحرير صحيفة الثورة (الصحيفة الرسمية)، وعضو مجلس قيادة نقابة الصحفيين. كتب عن الأهداف الستة لثورة سبتمبر، ويتساءل: متى تنتقل الشعارات إلى الفعل الثوري؛ لتكون مثلثاً للرعد والضوء والمطر؟ ويرى أن القادة المتعاقبون تعاطوا مع أهداف الثورة بارتعاش حيناً، وفجور في أحايين كثيرة، ولم يقبلوا بالشراكة الحقيقية، ويتهمهم بالارتداد عن أهداف الثورة، مؤكداً أن الشعب ما زال ينتظر القدوة، وينقل تساؤل الجميع: هل تحررنا من الاستعمار والاستبداد؟ وهم ـ أي الشعب - يرون المحتلين فوق منابع النفط والغاز والموانئ والجزر. ويتساءل: كيف جرى اختزال القومي والإسلامي والاشتراكي لرصيده التنظيري في مجرد مفتاح غرفة في فندق في الرياض؟ ويدين مفردات الفتن في التلفزيونات، وحوائط إعلامية تصادر الأمل حتى في أن نكون مشاريع لاجئين محترمين. ويواصل التساؤل عن التطلع لثورات وحركات وانقلابات بينما الأهداف لا تزال تنتظر.
يدين التفريط بالوحدة، كما يدين إغلاق أبواب المدارس، مشبهاً ذلك بحماقة البكاء في بيت العرس، أو الفرح في سرادق العزاء. المقالة تنوس بين الصحافة الحساسة للنزاع والصحافة التقليدية، وإن كانت أقرب للصحافة الحساسة للنزاع؛ فالاتهام فيها عام ومبرر. وفيها قدر من الانحياز ضداً على طرف في الصراع (مجموعة الرياض)، وهو عضو قيادي في المؤتمر الشعبي العام.
نموذج صحفي إصلاحي عن الاحتفال بالذكرى الـ55 لثورة سبتمبر.. المقالة لعبد الملك شمسان:
وهو أيضاً ناشط إصلاحي (التجمع اليمني للإصلاح). نشرت المقالة في مواقع التواصل الاجتماعي. يتناول شمسان العمق الجديد في الشعور لدى كل يمني مستنير، ليس مجرد يوم بل تتويج لعقود طويلة من النضال لشعب تواق للحرية، عاشق لعز الحياة، يرفض الاستبداد والاستعباد. يشيد بدور الثورة التي أخرجت الشعب اليمني من الظلام، منتقداً النظام السلالي الذي يمسك المال والسلاح، ويتمسك بأكاذيب الاصطفاء الإلهي، مستغلاً العاطفة الدينية والجهل، وعما قريب يصحو على فزع هو وحلفاؤه ـ إشارة للمؤتمر - ممن بلغوا السلطة بفضل الجمهورية، ثم تملكوه وتنكروا للجمهورية، وارتدوا يطعنون به ظهرها غدراً وخيانة وإنكاراً لقيمها وأهداف ثورتها، وتنكراً لفضلها، واستخفافاً بتضحيات شعب بأسره، مندداً بالتغرير بأبناء الشعب الذي ما تزال كرامة الجمهورية تنبض فيهم، ولا يمكن أن يستمروا في طريق العبودية، وهاماتهم لا يتوقع منها أن تستمر في الانحناء. والمقالة رغم النبرة الهادئة تنطوي على روح خصومة النزاع القائمة، ولا يمكن أن تكون حيادية؛ فهي تتضمن الاتهام، وفيها قدر غير يسير من روح الخصومة.
والأنموذج الأخير المراسل الصحفي محمد الديلمي الذي يقدم قراءة ناقدة للتدخل العربي السريع؛ لتقويض النظام في اليمن وبدعم الإمبراطورية التي تجند - حسب قوله - فرسانها، وتقرر ما هو الخير وما هو الشر، مؤكداً أن الشعوب العربية لا تمتلك قادة مستنيرين لسوء حظهم، ولا يراه في المستقبل، متوقعاً ثورة القيامة (البعث) لعالم عربي قوي لا تحركه أداة الدين. ويشير إلى الزعامات العربية جمال عبد الناصر والقذافي الذين لديهم فكرة معينة عن دولة الأمة العربية، وقد تم القضاء عليهم.
اليمنيون الذين لقوا حتفهم ازداد عشرات الأضعاف، ويخلص إلى النتيجة الفاجعة: «إنه من بين علامات نهاية العالم الإسلامي حدوث حريق من جهة اليمن؛ فهل هذه هي العلامة؟ المقالة المقتضبة، وإن أدانت التدخل العربي والأجنبي في اليمن، إلا أنها لا تتناول الحرب الداخلية بأطرافها المختلفة، لتنتهي إلى توقع فاجع، ولا تمثل الصحافة الحساسة».
في مقالة بعنوان (لمصالحة وطنية مستدامة بشكل رئيسي) يقدم لنا الصحفي هشام محمد رؤيته:
«إذا ما انطلقت من إيمان حقيقي للأطراف المعنية بعدم جدوى استمرار الحرب، والرغبة الحقيقية في إنهائها. بمعنى آخر عندما تكون الحرب قد استنفدت مبرراتها، وأصبحت أطراف الصراع عاجزة عن الحسم، مع وجود حراك وضغط مدني وشعبي خاصة إذا استطاعت الحركة الجماهيرية إفراز قيادات قادرة على لعب دور رئيسي».
الخطاب منذ الجملة الأولى دعوة لمصالحة وطنية، وإنهاء النزاع بين الأطراف المعنية. فالكاتب مع وضع نهاية للنزاع. وبداهة فبالتصالح تكون كل الأطراف رابحة كمبادئ «الصحافة الحساسة للنزاع». والإشارة إلى عجز كل الأطراف عن الحسم يعني تساوي أطراف النزاع؛ فهو بعيد عن التحزب والانحياز، ويتضمن أيضاً معنى من معاني أنسنة هذه الأطراف، ودعوة للضغط الشعبي الذي لا يقف بالنزاع عند تخوم أطرافه المتصارعة، وإشراك أطراف جديدة للإسهام في الحل.
يشير: «أن المصالحة تتعقد عندما يكون أحد الأطراف أيديولوجي يقاتل دفاعاً عن حق مقدس. تتعذر المصالحة مع الأطراف ذات العصبيات؛ لأن القتال يدور حول المقدس».
يضيف: «التنازلات تخضع لقوة الموقف على الأرض، وتضع اعتبارات كبيرة لمواقف ورضا الداعمين الدوليين لها في حربها. تكون المصالحة الوطنية بين الجماعات السياسية المؤمنة بالتعددية ممكنة لمجرد تفاقم الوضع الإنساني».
يشخص الكاتب حالة النزاع بصورة عامة، وهو بصورة ما إسقاط على الحالة اليمنية، ولكنه لا يتضمن إدانة أو تجريماً؛ فهو أشبه بتشخيص ووصف الحالة.
يرى أن الجماعات المناطقية والدينية لا يمكن أن تقدم تنازلات ما لم يحدد نصيبها من الحرب. مؤكداً أن توافق الإرادات والإجماع الدوليين عصا غير محببة تلوح، وهو ما يجب أن يتوفر لأي محاولة للمصالحة الوطنية في اليمن. وهو هنا لا يقف عند توصيف الداء، ولكنه يضع الحلول ممثلة في إبراز العائد من التصالح، وأيضاً تشريك الطرف الدولي. وفي حالة اليمن فإن الأطراف الداخلية ضعيفة، وتضعف باضطراد لصالح الأطراف الإقليمية، والارتهان لهذا الصراع، الأمر الذي يكون معه الضغط الدولي هو العصا الغليظة التي لا بد وأن تقبل بها مختلف الأطراف.
يقترح هشام للحل: «وضع حلول عملية ومنهجية تأخذ في الحسبان الخصوصية الثقافية، ومبادئ العدالة الاجتماعية، وتشخيص جذور المشكلات، ووضع الحلول المناسبة».
ويرى: «ينبغي أن تقدم جميع الأطراف تصوراتها لطبيعة السياسة المستقبلية في الوطن المشترك الخالي من مسببات الصراع».
فهشام هنا يراعي مصالح أطراف النزاع، وحقها في أن تضع تصورها للحل، مع الحرص على مراعاة الخصوصية الثقافية «بما فيها المعتقدات طبعاً، ومبادئ العدالة الاجتماعية».
فالكاتب يقدم نصاً متوازناً غير منحاز لطرف، يتسم بالموضوعية والصدق والحرص على حل النزاع بدلاً من استمراره، وهو يرى مختلف الأطراف بما في ذلك الأطراف غير المنخرطة في النزاع، والأطراف الدولية ذات العصا الغليظة، حسب تعبيره.
ولتعزيز أنموذج الصحافة الحساسة في اليمن فقد أجريت مقابلة مع الأنموذجين اللذين يمثلان أسلوب الصحافة الحساسة للنزاع، وهما: الدكتورة بلقيس محمد علوان، والصحفي المخضرم عبد الله الصعفاني. فالدكتورة بلقيس محمد علوان تتحدث عن الصراع، وعلاقته بالإعلام، وتجربتها في الكتابة عن النزاع. أما الصحفي عبد الله الصعفاني فيرد على النزاع في اليمن، وأطرافه العديدة، فيرى أن النزاع متعدد الأطراف، ومساراته المختلفة، ورؤيته للحل السياسي تراعي هذا التنوع.

















