أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:58 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الإدارة المحلية بين المؤتمرات والإصلاح الحقيقي

    جسار مكاوي




    أعلنت وزارة الإدارة المحلية عن منهجية تنفيذية لمؤتمر وطني للشراكة والتكامل يقوم على مراحل متدرجة تبدأ بحصر المشكلات والتحديات القائمة بين السلطات المحلية والجهات المركزية ثم فرزها وتصنيفها وعقد ورش عمل متخصصة وصولا إلى مؤتمر وطني يهدف إلى الخروج بمصفوفة من الحلول والتوصيات القابلة للتنفيذ.. ومن حيث المبدأ لا يمكن النظر إلى هذه الخطوة إلا باعتبارها تطورًا إيجابيًا في طريقة تناول قضايا الإدارة المحلية والخدمات العامة. 

    فمجرد الاعتراف بوجود اختلالات هيكلية وإدارية ومالية في العلاقة بين المركز والسلطات المحلية يمثل بداية صحيحة لأي عملية إصلاح جادة.. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالمنهجية بقدر ما يتعلق بالنتائج.. اليمن شهد خلال العقود الماضية عشرات المؤتمرات والندوات وورش العمل التي شخصت المشكلات بدقة وقدمت توصيات مهمة لكن معظمها ظل حبيس الأدراج ولم يتحول إلى سياسات أو قرارات أو إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

    لهذا فإن نجاح هذا المؤتمر لا يجب أن يقاس بعدد المشاركين أو الأوراق المقدمة أو حجم التغطية الإعلامية بل بقدرته على إحداث تغيير فعلي في بنية الإدارة المحلية وآليات اتخاذ القرار وتقديم الخدمات.. إن القراءة الأولية للمنهجية المطروحة تكشف عن عدد من النقاط الإيجابية المهمة.

    أولها أنها تعترف بوجود أزمة في العلاقة بين السلطات المركزية والمحلية وما نتج عنها من تداخل في الاختصاصات والصلاحيات .

    وثانيها أنها تركز على محاور تشريعية وإدارية ومالية وخدمية تمثل جوهر الإشكالات التي تعاني منها المحافظات .

    وثالثها أنها تحاول الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة صياغة حلول ومخرجات تنفيذية ..لكن في المقابل تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها.. أين المجتمع المحلي من هذه العملية؟ وأين الجامعات والكفاءات المستقلة والنقابات المهنية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والشباب والمرأة؟ وهل سيكون المواطن شريكا في صياغة الحلول أم مجرد متلق لنتائجها؟ .

    إن الإدارة المحلية في جوهرها ليست علاقة بين وزارة ومحافظة فقط.. بل هي علاقة بين الدولة والمجتمع.. وأي إصلاح حقيقي لا يضع المجتمع في قلب عملية الإصلاح سيظل إصلاحا ناقصا مهما كانت نواياه حسنة.. كما أن المنهجية لا تبدو واضحة بما يكفي في ما يتعلق بآلية إلزام الجهات الحكومية بمخرجات المؤتمر.التجربة اليمنية أثبتت أن المشكلة ليست دائما في غياب الرؤى أو التوصيات بل في ضعف التنفيذ والمتابعة والمساءلة.. ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية.. من سيضمن تنفيذ المخرجات؟ ومن سيحاسب الجهات المقصرة؟..ومن سيتابع مدى الالتزام بالحلول المقترحة؟..ومن وجهة نظري فإن أي حديث عن إصلاح الإدارة المحلية سيظل قاصرا إذا لم يتناول قضية الكفاءة باعتبارها إحدى أهم أدوات الإصلاح..الكثير من الأزمات الإدارية والخدمية ليست ناتجة عن نقص الموارد فقط بل عن سوء الإدارة وغياب معايير الاختيار والاستمرار في إعادة تدوير الأشخاص أنفسهم في مواقع المسؤولية.

    لهذا فإن تمكين الكفاءات المحلية المستقلة و إعطائها دورا أكبر في إدارة الشأن العام يجب أن يكون جزءا أصيلا من أي مشروع إصلاحي جاد..وهنا تبرز أهمية ما ندعو إليه في إطار حملة دعم الكفاءات العدنية المستقلة..عدن وغيرها من المحافظات لا تحتاج فقط إلى موارد إضافية أو صلاحيات أوسع بل تحتاج أيضا إلى فتح المجال أمام الكفاءات المؤهلة للمشاركة في صناعة القرار وإدارة المؤسسات العامة وفق معايير النزاهة والخبرة والاستحقاق..إن الإدارة المحلية ليست مجرد نصوص قانونية.

    وليست مجرد هياكل تنظيمية..بل هي فلسفة تقوم على توسيع المشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتمكين المجتمعات من إدارة شؤونها العامة بكفاءة وشفافية.

    ومن هنا فإن نجاح مؤتمر الشراكة والتكامل لن يتحقق بمجرد انعقاده..بل سيتحقق إذا استطاع أن يجيب عن ثلاثة أسئلة رئيسية..هل سيتم منح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية؟..هل سيتم تمكين الكفاءات المحلية من المشاركة في الإدارة وصناعة القرار؟..هل سيتم إشراك المجتمع في الرقابة والتقييم والمتابعة؟..إذا كانت الإجابة نعم فإن المؤتمر قد يشكل خطوة مهمة نحو إصلاح حقيقي..أما إذا ظل إطارًا نظريًا جديدًا دون أثر عملي فإن المشكلة ستبقى قائمة مهما تعددت المؤتمرات وتغيرت العناوين..المواطن لا ينتظر مؤتمرا جديدا بقدر ما ينتظر خدمة أفضل وإدارة أكثر كفاءة ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجاته..وفي نهاية المطاف تبقى الكفاءة والمساءلة والمشاركة المجتمعية هي الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه أي مشروع ناجح للإدارة المحلية والتنمية المستدامة .

المزيد من مقالات (جسار مكاوي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال