حكمة الرحمن.. في صيام رمضان

إعداد/ علي راوح

متى فرض الله على عباده المسلمين الصيام؟
أجمع أهل العلم على أن صيام رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة، وفرض في أول الأمر على التخيير بين الصيام والإطعام
قال الله تعالى:
«يا يها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون».
ثم أمر الله بفرضه فقال: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه»
ثم استثنى بعض أهل الأعذار ، فقال تعالى:
«ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون». (183 - 185) البقرة.
يقول العلامة الشيخ/ عبدالرحمن بن ناصر السعدي في كتابه:
(تيسير الكريم الرحمن، في تفسير كلام المنان) يقول في هذه الآيات «يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان، وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم من تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختصيتم بها».
الصيام من أكبر أسباب التقوى
ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال «لعلكم تتقون» فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأنه فيه امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، فما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشراب والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه، متقرباً بذلك إلى الله، راجياً بتركها ثوابه. ومنها: أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.
تسهيل الله على عباده
ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام، أخبر أنه أيام معدودات، أي قليلة في غاية السهولة، ثم يسهل تسهيلاً آخر فقال: «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر» وذلك للمشقة في الغالب رخص الله لهما في الفطر.. ولما كان لابد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض وانقضى السفر، وحصلت الراحة.
«طعام مسكين» وهذا في ابتداء فرض الصيام، لما كانوا غير معتادين للصيام، وكان فرضه حتماً فيه مشقة عليهم، درجهم الرب الحكيم بأسهل طريق، وخير المطيق للصوم بين أن يصوم - وهو أفضل - أو يُطعم ، ولهذا قال «وإن تصوموا خير لكم»، ثم بعد ذلك جعل الصيام حتماً على المطيق، وغير المطيق يفطر ويقضيه في أيام أخر، وقال «وعلى الذين يطيقونه» أي يتكلفونه ويشق عليهم مشقة غير محتملة، كالشيخ الكبير، فدية عن كل يوم مسكين (ظاهر أن المراد عن كل يوم طعام مسكين) وهذا هو الصحيح.
في ذكر بعض فضائل الصيام
وردت أدلة كثيرة تدل على فضل الصيام، وعلى ما أعده الله تعالى للصائمين، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» أخرجه البخاري كتاب «الإيمان»، وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق» أخرجه البخاري.
ومن فضائل الصيام أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به». ذلك أن الصوم هو بين العبد وربه، ولا يعلم بها أحد.
في بيان الحكمة من الصوم
في كل أمر من أوامر الله تعالى، بل وفي كل نهي مما نهى الله عنه تتجلى الحكم، وهذه الحكمة قد يعلمها العالم بالأمر والنهي، وقد لا يعلمها، ومما ذكره أهل العلم في بيان الحكمة من الصوم ما يلي:
1 - أنه وسيلة للتقوى، وهي الغاية المنشودة قال تعالى «لعلكم تتقون».
2 - أن الصيام وسيلة شكر النعمة، إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، وهذه الثلاث من أجل النعم، والامتناع عنها زمنًا معتبراً يعرف قدرها.
3 - أن الصيام فيه قهر الطبع وكسر الشهوة، لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات وإذا جاعت امتنعت عما تهوى، لذا فقد قال صلى الله عليه وسلم للشباب: «يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» أخرجه البخاري.
4 - الصوم موجب للرحمة والعطف على المساكين، لأن الصائم إذا ذاق الجوع فإنه يتذكر المساكين.
دليل عدم وجوب الصوم على غير البالغ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة النائم حتى يستيقظ والصغير حتى يكبر والمجنون حتى يعقل أو يفيق». ومعنى رفع القلم ألا يكتب عليه بإثم، وذلك لعدم تكليفه، ولكن مع القول باشراط البلوغ للصائم فيجب على ولي الصبي أن يأمره بالصيام ليعتاده.
ولقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم إثبات الأهلة بالحساب الفلكي، بل نقل شيخ الإسلام الإجماع على عدم اعتبار الحساب الفلكي في رؤية الهلال، وفي هذا حصر طرق إثبات هلال رمضان في الرؤية، وإكمال شعبان ثلاثين يوماً، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب الفلكي.. للحديث بقية...
مراجع المادة الصحفية:
* كتاب (وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة) تأليف الدكتور عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار.
* كتاب (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)
تأليف العلامة الشيخ عبدالرحمن ناصر السعدي.
إعداد/ علي راوح