تداعيات ما بعد حرب الحوثي لعدن.. قصص مأساوية أبرز ضحاياها الأطفال

تقرير/ نوارة قمندان

الطفل حافظ نصر عبدالله
 تداعيات سلبية كثيرة خلفتها الحرب التي شهدتها العاصمة عدن في أواخر شهر مارس 2015م، جراء اجتياح قوات الحوثي وصالح لها.
أحداث مأساوية وقصص إنسانية تكشف مدى فداحة ما خلفته تلك القوات الغازية على المدينة وأبنائها، وما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم في نفوس الأطفال والشباب وحتى كبار السن.

حافظ نصر عبدالله واحد من الأطفال الرضع لم يسلم من نيران قوات الإجرام، حيث تعرض لشظية سكنت دماغه وجرح عدد من أفراد أسرته جراء قنبلة أُلقيت على تجمع للمواطنين بالقرب من سكنه الذي نزح إليه بمعية عائلته بمديرية المنصورة.
تعرض حافظ إلى الإعاقة وشلت حركة الجانب الأيسر من جسمه، كما تسببت الشظية بتلف العصب البصري لإحدى عينيه.

وأوضحت خالة الطفل أن «هذه الحادثة تعرض لها الطفل حافظ عبدالله قبل ثلاثة أعوام عقب نزوحهم إلى مديرية المنصورة بعد دخول قوات الحوثي إلى منطقتهم بمدينة التواهي».

وتضيف في حديثها لـ«الأيام»: «كنا في الدور الرابع بفندق (كونكورد) حينما باغتتنا شظايا قنبلة رمى بها أحد الأشخاص على المواطنين، وأصيبت على إثرها أمي وأختي وجدتي، إلا أن إصابة الطفل حافظ كانت بليغة، أُسعف بسببها على الفور إلى مستوصف السلام المقابل للفندق الذي نسكن فيه، وأجري له فيه الإسعافات الأولية قبل أن يتم نقله إلى مستشفى الوالي، حيث تم رفض حالته للإصابة البالغة والتي تتطلب دكتور مختص (مخ وأعصاب)، حينها قمنا بنقله إلى مستشفى النقيب، وفيه خضع لفحوصات وبيّنت تلك الفحوصات وجود نزيف داخلي، وبعدها بيومين تم تحويله إلى مستشفى 22 مايو؛ لعدم توفر غاز الأكسجين للأطفال».

الطفل حافظ بعد اصابته
ولفتت في حديثها إلى أن «الطفل خضع لجملة من العمليات، منها عملية استُخرجت من خلالها الشظية من رأسه، قبل أن يتم إعادته على الفور مرة أخرى لمستشفى النقيب، حيث رُقّد فيه لمدة شهر ونصف، لتُتابع فيه حالته اختصاصية العيون، غير أن القطنة التي كانت تضعها لعينه المصابة تسببت له بظهور نطايا بيضاء، الأمر الذي اضطر ها إلى أن تدخله غرفة العمليات، ومرة أخرى بدلا من أن تزيل النطايا التي ظهرت في العين عملت على التسبب له بخدوش في عينه المصابة، حينها قمنا بتسفيره إلى الأردن بمعية جرحى آخرين  من الحرب، وظل فيها لمدة شهر ونصف أُجريت له خلالها عملية استئصال كيس سوائل من الدماغ، إلى جانب خضوعه إلى جلسات العلاج الطبيعي، وتحسنت على إثرها حالته الصحية لحد ما، وتمكن من المشي قليلاً، ولكنه مع الأسف ما إن تمر عليه سبعة أشهر أو سنة إلا  وتتراجع حالته الصحية إلى التدهور، حيث يعود الكيس إلى الظهور بدماغه مرة أخرى، بسبب الفراغ الذي تركته الشظية في دماغه، وحينما يبدأ الكيس ينمو في هذا الفراغ تبدأ صحة حافظ بالتدهور  منها ثقل حركته تدريجيا».

وقالت خالة الطفل في ختام حديثها لـ«الأيام»: «نصحنا الدكتور المتابع لحالة (حافظ) بشراء جهاز تبلغ تكلفته (300 $) وهو جهاز قام الطبيب المعالج بزراعته في دماغ الطفل بعملية كلفت ستمائة ألف ريال دفعها أهل الخير، وتقوم مهمة هذا الجهاز بنقل السوائل من الدماغ عبر أنبوب إلى المعدة، كما يعمل على إخراج الفضلات بشكل طبيعي».

تداعيات سلبية للحرب
وظهرت في الآونة الأخيرة التي أعقبت حرب 2015م كثير من السلوكيات والتصرفات غير الطبيعية على أبناء العاصمة عدن لاسيما في صفوف الأطفال والشباب.
وأكدت مديرة ثانوية باكثير للبنات المعلمة انتصار السقاف أن «للحرب العديد من التداعيات تجلت بوضوح على التصرفات غير الطبيعية لدى الكثير من الطالبات، منها حالة الحزن في عيونهن، وظهور التوتر والعصبية في تعاملاتهن، وقلة التركيز وعدم الاستيعاب للدروس، وكذا عدم احترامهن لِمن يكبرونهن سنا».

وأوضحت في حديثها لـ «الأيام» عن وجود حالات تحطم نفسي لبعض الفتيات ممن يتراوح أعمارهن بين(16 - 18 عاما) بسبب فقدانهن لأحد أفراد أسرهن كالآباء أو الإخوة وغيرهم من الأقارب جراء الحرب التي شهدتها المدينة بعام 2015م، والتي انعكست نتائجها السلبية على نفسياتهن ومستواهن المعيشي، الذي دفع ببعضهن إلى القيام بعمليات السرقة.

وأضافت: «من خلال مهام الاخصاصية الاجتماعية في المدرسة والمساعدات المقدمة للطالبات عن طريق أعضاء الدعم النفسي الذين عملوا على احتوائهن عبر النزول إلى بيوتهن والجلوس مع عائلاتهن تمكنا من اكتشاف أسباب وحل بعض المشكلات خاصة المتعلقة بظاهرة السرقة، حيث وجدنا أن من أبرز الأسباب التي دفعت بعض الفيات لهذا السلوك هو تضرر من كانوا يعولونهن وصاروا على إثره طريحي الفرش، وكان دورنا هنا تقديم المساعدة لهن واعطائهن وجبات الإفطار ومستلزمات المدرسة، وبفضل الله كانت النتائج ايجابية لعدد من الطالبات حيث تغيرت سلوكياتهن، وعملنا على تنمية هذا التغيير وتعزيزه من خلال تكريمهن من ضمن الأوائل لرفع معنوياتهن».

فيما أشارت وكيلة مدرسة الصديق والمدربة بمنظمة «اليونيسف» أ. نرمين محمد قاسم إلى أن «الحرب تسبب بظهور بعض السلوك العدوانية لدى الأطفال، وإصابة البعض بالتوحد، واجبار آخرين بالانخراط في ميدان العمل وترك التعليم، ليتمكنوا من اعالة أسرهم بعد أن فقدوا من كان يعيلهم، وهو ما يُعرضهم للاستغلال من قِبل أرباب العمل جنسيًا أو معنويًا أو ماديا، ولهذا يتوجب على المدرسة والأسرة والبيئة المحلية أن تلعب دورًا فعّالا في تعديل تلك السلوكيات، والتي من ضمنها التدني الملحوظ للمستوى التعليمي لبعض الأطفال في الوقت الذي كانوا في السابق من الأوائل».

وأكدت في حديثها لـ«الأيام» أن «من أبرز أسباب التدني هذا يعود إلى تهدم منازلهم أو اعاقة أحد زملائهم في المدرسة»، مشيرة في السياق إلى أنه «تم انشاء دورة الدعم النفسي الاجتماعي التربوي من قبل (اليونيسف) تهدف إلى استهداف العديد من الأطفال المتضررين نفسيًا من الحرب، وهو أن يقوم المعلم برسم سفينة على السبورة ويطلب من الطالب أن يكتب عليها، ومن خلال هذه الطريقة تم اكتشاف حالات لفتيات كن يعشن حالة حزن مع أنفسهن، ومن هذه الحالات فتاة عبرت عن طموحها بأن تصبح دكتورة، وحينما حاول المعلم معرفة السبب الذي دفعها لهذا الطموح سرعان ما أجهشت بالبكاء حُزنًا لموت أحد أقاربها في الحرب لعدم قدرتهم دفع تكاليف العلاج».

وأوضحت وكيلة مدرسة الصديق والمدربة بمنظمة «اليونيسف» أ. نرمين محمد قاسم أن «من طرق الدعم النفسية المتبعة تجاه الطالب «رسالة إلى جريح» تقوم على كتابة جميع الطلاب لعبارات تشجيعية لطالب لم يعد يرغب بالتعليم بسبب اعاقة حصلت له بالحرب أو بوفاة شخص قريب منه، وعادة ما تحتوي تلك الرسالة على عبارات تشجيعيه مثلا «نحن اشتقنا إليك» أو «نحن نحبك وبحاجتك» قبل أن يتم اعطاؤها للطالب المتضرر»، مؤكدة بأنه «بهذا الأسلوب تغيرت سلوكيات العديد من الأطفال، والأمر ذاته لدى نفسيات المعلمين والمعلمات المشاركين بدورة الدعم النفسي الذي اُبتعد فيه عن الأسلوب الروتيني والاعتماد على اسلوب التعليم بالمشاركة بين الطالب والمعلم».

اضطرابات نفسية
 أم الخير عبدالله موظفة بالشؤون الاجتماعية ومنسقة مشروع المساحة المدعوم من منظمة «اليونسيف» أشارت إلى أن «الهدف من انشاء هذا المشروع هو استقطاب أكبر عدد من الأطفال الذين تضرروا جراء الحرب التي شنتها قوات الحوثي وعلي صالح على عدن».

وقالت في سياق حديثها لـ«الأيام»: «هناك أطفال تعرضوا إلى اصابات في هذه الحرب والتي تسببت لهم بالشعور بالنقص، أو بالانطواء، وهناك حلات أصبحت مصابة بالتبول غير الإداري والناتج عن الخوف الشديد».
وأكدت أم الخير عن «وجود مجموعة من الاختصاصيين المدربين ومن ذوي الكفاءة في التعامل بالدعم النفسي والاجتماعي والمعنوي، وفقا لفئاتهم العمرية وكذا احتياجاتهم، وهناك حالات كثيرة تحسنت سلوكياتهم».

ضرورة التوعية
وقالت رئيس مركز عدن للتوعية من خطر المخدرات سعاد علوي: «عادة ما تكون احداث البلاد لها تأثير على الأطفال وتنعكس في البدء بطريق ألعابهم، والتي أصبحت عبارة عن معارك وحروب مصطنعة يستخدمون فيها ما توفر من مسدسات الألعاب والعصي والحجارة وغيرها، يشكلون خلالها من أنفسهم فرقا تتحارب فيما بينها ويطلقون على أنفسهم أسماء الشخصيات التي برزت خلال الحرب، مدعومة بالكثير من مصطلحات الحروب التي اكتسبوها من خلال متابعتهم للأخبار والاحداث.

كما ان الكثير من أخبار الجرائم والانحرافات التي تحدث في المجتمع تعود إلى انشغال أبائهم عنهم في سبيل البحث عن لقمة العيش أو الانشغال مع الأصدقاء في مقايل القات، الأمر الذي أنتج تقليدا أعمى من قبل هؤلاء الأطفال لكثير من هذه السلوكيات كتعاطي القات أو الخدرات وغيرها، وعبر «الأيام» أوجه كلماتي التي طالما أوجهها بأن على كل أب وأم تكون مهمة مراقبة أطفالهم وتوعيتهم بكل ما يدور حولهم من اضرار وظواهر وسلوكيات وتحذيرهم من أخطارها».
فيما قالت المواطنة عبير أحمد: «أصبحت أشعر بالحزن على أطفالنا الذين باتوا يعيشون حالة من القلق والخوف جراء عمليات القتل والجرائم المتكررة التي تشهدها المدينة».​