لا تتهربوا من مسؤولياتكم

نُهى البدوي


لا يمكن للمجتمع القيام بدوره لحماية الأبناء من آفة التطرف إلا متى ما أدركت بقية الجهات الرسمية والاجتماعية أهمية تناغم عملها وأدوارها التكاملية، وفي مقدمتها الأسرة باعتبارها المحور الأساسي في التصدي لهذا الخطر من خلال تنشئة أبنائها على التربية الحسنة لحمايتهم من التطرف، في مختلف الظروف والمتغيرات السياسية التي ينتج عنها تحولات مجتمعية وأمنية وفكرية يتراجع فيها الدور التربوي والإرشادي لمعظم الجهات وتوفر بيئة مناسبة لنشر التطرف والإرهاب، كما هو الآن في اليمن بسبب الحرب، مما يزيد الحاجة لتضطلع الأسرة بمسؤوليتها وعدم التخلي عن دورها التربوي ومضاعفة جهودها لحماية أبنائها من خطر التطرف.

 إن التحولات السياسية والأزمات ينتج عنها تحولات اجتماعية واختلال في بنية المجتمعات لتلقي بظلالها على الفرد والأسرة وتزيد من تعقيد مسؤولياتها، مما يتطلب مضاعفة جهودها لسد النقص والتقصير الحاصل من الجهات المرتبطة بنشاطها ودورها في استقرار المجتمع.

 ومع ظروف الحرب والأوضاع الحالية للأسرة اليمنية، يبرز تساؤل حول قدرتها على مواكبة هذه المتغيرات وما أنتجته من عوامل وبيئة لها تأثيرها السلبي على دورها لحماية أبنائها من التطرف؟ فمن الطبيعي أن تفكك الدولة اليمنية ومؤسساتها أدى إلى تراجع الدور التربوي والثقافي والإرشادي والأمني لتلك الجهات، وأضعف نشاط مؤسسات المجتمع المدني وبذلك خسرت الأسرة حلقة مهمة لمساندتها في تربية أبنائها وحمايتهم من التطرف.

ويؤكد فضيلة الشيخ أ.د. إبراهيم عبدالله الدويش في برنامجه التلفزيوني «الأسرة الناجحة» الذي يقدم في قناة الندى أن «الأسرة هي المحضن الأول للأبناء، وهي اللبنة الأولى في بنيان المجتمع السليم وما يزال هذا المجتمع بوجود الأبناء يتأصل على الفطرة بواسطة أسرته، ترتسم في ذهنه أول صورة عن الحياة وعن المجتمع الذي سيخالطها فيما بعد، فالأسرة لها تأثيرات مهمة في حياة الفرد، فهو ذو قلب أبيض وعجينة جاهزة لتشكيل شخصية وفكر الطفل، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، وقلب الطفل صفحة بيضاء قابلة للنقش والتشكيل، وأن الأسرة متمثلة بالوالدين تقوم بهذا الدور، الصبي أمانة عند والديه إن عُوّد على الخير نشأ عليه سَعُد في الدنيا والآخرة، وإن عُوّد على الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الأجر أو الوزر على القيم وولي الأمر.. فالراعي على الأسرة هو المسئول والمؤتمن أمام الله عز وجل».

فالأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة تتمثل في توفير المناخ الأسري المناسب للإشباع العاطفي للأبناء، لما لهذا من أثر كبير في استقرار نفسية الأبناء وقيامها بالدور التربوي والإرشادي وبالتقرب منهم ليتمكنوا من حُسن اختيار الأصدقاء، ووضعهم تحت الرقابة التربوية، ورصد أي مظاهر أو دلائل للانحراف مبكراً لتحصينهم منها، وبالإضافة إلى تعزيزها للترابط الأسري، والتعامل بالعدل والمساواة بين الأبناء ومنع التفكك الأسري.

مهما تتسبب الظروف الاقتصادية وتزيد التعقيدات والمعوقات أمام الأسر، وجعل مجابهة «المجاعة» تحتل الأولوية عند بعضها والاتخاذ منها مبرراً للتراخي، والتخلي عن مسؤوليتها تجاه أبنائها، فإن هذا التصرف غير مقبول ومرفوض، مجتمعياً ودينياً وأخلاقياً، وعليها أن تواجه وتتحمل الظروف والمعوقات، بالصبر، وعدم التهرب من المسؤولية أو الانتظار لمن سيقوم بدورها!

تبقى الجهود الرامية لحماية الفرد من التطرف ناقصة، ولا يمكن للمجتمع استنهاض الهمم لتحصين أفراده من الفكر المتطرف وأخطاره إلا بوجود أسرة صالحة تضطلع بمسؤوليتها التربوية والاجتماعية والدينية تجاه أبنائها، فلنحرص جميعاً على التقرب من الأسرة، لتشجيعها وإرشادها لتقوم بمسؤوليتها.​