> ​تقرير/ فردوس العلمي

يُؤلمني الحرف وتوجعني الكلمات وأنا أحاول وصف حياة أناس أحياء كأنهم أموات في مقبرة القطيع بالعاصمة عدن.
إن ما آلت إليه هذه المقبرة بمديرية صيرة (كريتر) من إهمال وتعد على مساحتها وانتهاك صارخ لحرمة الموتى وحرمة الأحياء معاً يندى له الجبين، وليس هناك من مرارة أشد على المرء وأهله من أن يُجبر على العيش في المقابر بحثًا عن أمن من جور أهل هذا الزمن.

وما أقسى أن تضطر للمرور على مقابر الموتى لتصل إلى أحياء يسكنون فيها أيضًا في ظروف معيشية غاية في الصعوبة، يتضورون جوعاً، ينامون بجوار المقابر بعد أن وجدوا في قربها السكينة، وإن كان ليس هناك ما يُميّز من يسكنون على هذه الأرض وباطنها سوى الأرواح، فأمواتها انتهكت حرمتهم، وأحياء أشبه بالموتى.

أكثر من 20 أسرة نازحة فيها
تقع «مقبرة القطيع» في الجهة الجنوبية الغربية من مدنية كريتر، وهي من أقدم المقابر في المدنية وتمتلك أكبر مساحة، إذ تمتد مساحتها من حي القطيع أطراف جبل معاشق، إلى أطراف جبل العيدروس.
حاصرتني الدهشة وأنا أنظر إلى أطفال اتخذوا المقابر مساحة آمانة للعب، فيما اتخذها الكبار سكنا.

أبو بلال وأطفاله
أبو بلال وأطفاله

ساعة ونصف هي المدة التي قضيتها لجمع معلومات عن المادة بداخل المقبرة أبكتني ولم أدرِ أأبكي على ما وصل إليه الأحياء أم على الموتى الذين انتُهكت حرماتهم!.
لقد أجبرتني الطريق وأنا ذاهبة للقاء بالأسر النازحة بالمقبرة على المرور وسط القبور، وبينما أنا على ذلك شاهدت الحمير أيضًا وقد اتخذت منها مرتعًا، وكلابًا يشربون من على المقابر، وأطفالاً يلعبون ويلهون بداخلها.

أكثر من عشرين عائلة نازحة تسكن بأطراف المقبرة، منازلهم عبارة عن غرفة وصالة، بعضها لا تتوفر فيها الحمامات، وهي مبنية من الأخشاب والبلوك، وقطع من الأقمشة للستر.
تسعة أشهر منذ وصول هذه الأسر المشردة من الحرب المستعرة في محافظة الحديدة إلى هذه المقبرة للنجاة بأرواحهم غير أنهم باتوا يعيشون حياة مليئة بالخوف والذل والانكسار.

تشرد ومرض
يقول أبو بلال سالم أحمد ناصر، وهو أحد نازحي منطقة الجراحي بالحديدة: «هربنا من الحرب الطاحنة في الحديدة بحثاً عن حياة آمنة وكريمة في عدن غير أن معاناتنا زادت مأساوية، فأنا رجل مريض بـ(الروماتيزم)، ولا أقدر على العمل، وحين أُجهد نفسي في العمل بغرض الحصول على ما أسد به ولو قليلاً من جوع أطفالي تتأزم حالتي المرضية فأصبح بحاجة لمن يراعيني».

بين القبور مطابخ
بين القبور مطابخ

وأضاف، في حديثه لـ «الأيام»، بينما كان يُشير إلى يديه ورجليه: «أعاني من آلام قوية بسبب الروماتيزم، تعيقني عن العمل في الوقت الذي أنا مضطر فيه لإعالة ستة أطفال تتراوح أعمارهم بين (6 - 14 عاما)، وهم بأمس الحاجة لمن يرعاهم».
ويسكن أبو بلال وأسرته في بيت بمساحة صغيرة، تملؤه الذباب والبعوض، خالٍ من المراوح والتي من شأنها أن تخفف عنهم قليلاً من حرارة الجو الشديدة.

ولم يتمكن أيضاً من سداد إيجار البيت الشهري والمقدر بـ 20 ألف ريال منذ خمسة أشهر، كما عجز عن توفير مستلزمات الأسرة.
ويضيف وهو يمسح بنظرة على أطفاله من حوله «نفد منا الدقيق ولم يتبقَ من الراشان سواء القليل، وما نتحصل عليه من المنظمات لا يكفي احتياجاتنا».

وعن نوم أطفاله في المقبرة ومدى خطورته عليهم، أجاب بلهجته المشحونة بالحسرة والألم لوضعهم «مو (أيش) نسوى مرجعنا لها، ومضطرين والمضطر يركب الصعب».


وأضافت زوجته «نحن نعيش في رعب وخوف، فأنا كأم أخاف على أطفالي مش (ليس) بيدي أعيشهم بين القبور ووسط الفئران.. نحتاج لكل شيء فرش وراشن ومراوح، وأدوات مطبخ من شولة وغاز، نحتاج عيشة كريمة، وولدي الصغير (6 أعوم) أجرينا له عملية استخراج حصوة من المثانة، وحاليًا ظهرت فيه حصوة في الكلية، ومن فين لنا حق العملية، ما معنا إلا أن ندعو الله فهو رب كريم».

غياب لدعم المنظمات
فيما تقول أم ماهر وهي أم لسبعة أطفال «أسكن بآخر الجبل الواقع بالمقبرة، ولا يصلنا أي دعم من المنظمات، والتي اكتفت بتسجيلنا وأخذ بياناتنا وصورونا فقط، ووضعوا لنا رقم جوال أثناء تسجليهم، للتواصل وكلما نتصل بهم نجده مغلقا أو ينكرون أنهم أصحاب المؤسسة المعنية».

مطبخ
مطبخ

وتضيف في سرد معاناتها لـ«الأيام»: «أنا مريضة بملاريا ومعي سبعة أطفال، وأصبحت أعيلهم لوحدي، بعد عودة زوجي وابني المصاب بمرض نفسي لعدم تقبله من أحد هنا، وهناك تم حبسهما من قبل الحوثيين لفترة، تعرضوا خلالها للضرب والتعذيب، أما أنا فأصبحت بين نارين قلقة على ابني وزوجي هناك وباقي أبنائي هنا، ولا نجد مصدر دخل».

وتشير أم سياف إلى أنها هربت بمعية بناتها السبع وزوجها المريض من سعير الحرب في الحديدة ولكنها أصبحت في عدن تعيش على الفتات وما يقدم لها من صدقات الخيرين، أما المنظمات فكثيراً ما سجلت أسماءهم ولكن لم يصلهم منها شيئا.
وعن سكنها في المقبرة قالت: «أيش نعمل لم نجد مكانا آمنا يؤوينا ونتألم مرتين: مرة أننا ننتهك حُرمة القبور، والأخرى أننا نعيش حياة لا قيمة لها».

وتضيف أم سياف «في أول أيامنا عشنا الرعب والخوف ولم نذق طعم النوم فيها ولكننا في الأخير تعودنا على وضعنا الجديد الذي وجدنا أنفسنا فيه، لكن أطفالنا حُرموا من اللعب براحتهم كما حرموا من الدراسة، لعدم وجود لديهم شهادة الميلاد، فنحن لا نعرف مستشفيات ونولد في البيت ولهذا هم بدون شهادات».

الحرمان من اللعب
بصوتها البريء تقول طفلة نازحة: «غصب عنا نعيش هنا ونلعب على القبور ولم نجد مكانا آخر آمنا».
هذه الطفلة وغيرها الكثير من الأطفال بحاجة ماسة لمد العون لهم ومساعدتهم بالالتحاق بالمدارس، مع ضرورة توفير مساحات آمنة لهم ولأفراد أسرهم ليتمكنوا من العيش الكريم.

فيما تقول طفلة أخرى: «نحن نازحون وجدتي كبيرة في السن ومحتاجة لتغذية ورعاية ونحن لا يوجد لدينا شيء».
وما يلفت النظر في مقبرة القطيع أيضاً هو عشوائية الحفر وعدم تنظيم القبور، فمعظمها متقاربة جدًا ممّا يضطر المرء في كثير من الأحيان، وإذا ما وجدت مساحة بينهما يتم استغلالها لمواراة الأطفال الموتى فيها، فضلاً عن ترك بعض القبور الجديدة مفتوحة، وهو ما يهدد حياة الأطفال الساكنين أو المارين فيها أو النازلين من جبل العيدروس.


فيما اتخذت بعض الأسر النازحة من أماكن في المقبرة «مواقد» لتحضر الطعام، وقطع الأشجار فيها واستخدامها كحطب بطريقة غير حضارية، وفي ركن بوابتها اتخذوا مساحة صغيرة كحمام.
كما تنشتر في باحتها القمامة والعلب والقوارير بكثرة بعضها مملوءة بالبول أو ببصاق التمبل، والأشد منها أن هناك من اتخذ من قبورها متكأ لتعاطي القات.

يقول أحد الساكنين بالقرب من القبرة: «لم تُعد للمقبرة حرمة فكثيراً ما تُستباح من قبل زوار آخر الليل ممّن يتعاطون المخدرات والحشيش أو لممارسة الفواحش، وأخيراً أُضيف لها بعض السلوكيات الخاطئة من بعض النازحين، كاتخاذ أماكن من المقبرة مواقد للطبخ، أو للعب أطفالهم على القبور والمرور عليها».

وناشد عبر «الأيام» الجهات ذات العلاقة بضرورة حماية حُرمة الموتى، من خلال تسوير المقبرة وإغلاق أبوابها، وتعين حراسة عليها.

وسلّم النازحون لـ «الأيام» رقم جوال موبايل قالوا إنه رقم زودتهم به إحدى المنظمات للتواصل بها بعد أن أخذت بياناتهم وصورهم، غير أن صاحبه ينفي صلة بالمنظمة في حال الاتصال به.
«الأيام» حاولت الاتصال به للتأكد من الأمر واطلاعهم بأوضاع النازحين، فأفاد بأن المؤسسة التي زارتهم هي «مؤسسة سبأ» لأخذ بياناتهم وصور لهم بهدف عرضها على الداعمين.