السفير الأمريكي ماثيو تولر يتهيأ لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة

حسن عباس*

السفير الأمريكي ماثيو تولر
في السابع من نوفمبر، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينوي ترشيح ماثيو تولر لشغل منصب السفير الأمريكي في العراق خلفاً لدوغلاس سيليمان.

تولر ليس جديداً على قضايا الشرق الأوسط، فالرجل الذي يشغل منصب سفير بلاده في اليمن منذ مايو 2014 هو من كبار أعضاء السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية الأمريكية، وسبق أن تولى عدة مناصب في سفارات أمريكية في المنطقة، منها منصب السفير الأمريكي في الكويت (2011-2014)، مباشرة قبل نقله إلى اليمن.. وقبل ذلك، شغل منصب نائب رئيس البعثة في السفارات الأمريكية في كل من القاهرة، الكويت، الدوحة، إضافة إلى مناصب مستشار سياسي في السفارة الأمريكية بالرياض، مدير قنصلية الولايات المتحدة بعدن، ضابط سياسي وقنصلي في السفارة الأمريكية بعمّان، ومستشار سياسي في السفارة الأمريكية ببغداد، كما عمل من واشنطن نائب مدير في مكتب شؤون شمال الخليج، ومسؤولاً للشؤون المصرية في وزارة الخارجية.

ويتقن تولر العربية ببراعة، ويصفه زميله في السلك ريان كروكر الذي عمل معه في العراق والكويت بأنه «أفضل مَن يتحدث العربية في سلك الخارجية ربما». فقد قضى أربع سنوات في المغرب عندما كان والده، وهو دبلوماسي سابق، يعمل هناك، ودرس العربية العامية، كما درس العربية في الجامعة وفي القاهرة.

ماذا يعني نقله إلى العراق؟
يأتي إعلان البيت الأبيض عن تسمية تولر لمنصب السفير الأمريكي في العراق، في وقت تندفع الإدارة الأمريكية نحو ممارسة المزيد من الضغوط على حلفاء إيران في بلاد الرافدين، وفي وقت قد تسير نحو التخفيف من مساندتها العمياء للسعودية والتحالف العربي في اليمن والدفع بجدية نحو حل سياسي هناك، وهو ما ظهرت مؤشرات عدة حوله مؤخراً، أبرزها تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس ووزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو اللذين دعيا التحالف العربي إلى وقف استهداف المناطق المأهولة بمدنيين والحوثيين إلى وقف إطلاق الصواريخ على السعودية، مشيرين إلى دخول المتنازعين في مفاوضات في بداية ديسمبر القادم.

ويتوافق نقل تولر إلى بغداد تماماً مع هذه التغيّرات، فهو أحد صقور الدبلوماسية الأمريكية المعادين لإيران والقريبين من السعودية، ولا ينسجم وجوده على رأس البعثة الأمريكية في اليمن مع الانعطافة الأمريكية الجديدة، كون علاقته مع الحوثيين سيئة جداً بسبب مواقفه السابقة من قضايا التفاوض حول الأزمة اليمنية.

وفي المقابل، ينسجم وجوده في بغداد مع سياسة أمريكية أكثر هجومية تجاه نفوذ طهران والميليشيات الموالية لها في العراق، خاصة أن معارضي النفوذ الإيراني هناك يتهمون السفير الأمريكي الحالي دوغلاس سيليمان، هو ومبعوث الولايات المتحدة إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش بريت مكغورك، بالضعف في مواجهة تحركات طهران وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

فخلال ندوة عُقدت في واشنطن مؤخراً، انتقد النائب العراقي السابق ورئيس «حزب الأمة» مثال الألوسي، وهو ليبرالي سنّي، ممثلي الولايات المتحدة في العراق، واعتبر أن إيران زوّرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة ولكن وزارة الخارجية الأمريكية علّقت على النتائج بقولها «شكراً أيها العراقيين، أنتم ديمقراطيون، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم»، منتقداً اعتبار أن التصويت الانتخابي قادر لوحده على تحقيق الديمقراطية.

أحد صقور السلك الدبلوماسي
في تصريحاته العلنية حول الأزمة اليمنية، دائماً ما كان تولر يؤكد أنه يجب «الدفع باتجاه حل سياسي» بين أطراف النزاع، وأن الحل السياسي يجب أن تنخرط فيه كل الأطرف من «حكومة شرعية» ومن «أولئك الراغبين في قلب الحكومة الشرعية»، ما يتطلب من الجميع «تقديم تنازلات».
بجانب ذلك، كان يتماشى مع خطاب إدارة ترامب المعادي لإيران، ويحذّر من «تحوّل المشروع الإيراني الذي يمثله الحوثيون إلى نسخة أخرى من تنظيم القاعدة الإرهابي، على غرار ما حدث في أفغانستان، فشعاراتهم هي الموت، وأفكار القتل باسم الدين تتطابق»، هو الذي وصف حكم الحوثيين لبعض مناطق اليمن بأنه «وحشي» وانتقد انتهاكاتهم اليومية وفسادهم.

ولم يؤكد السفير الذي راح يمارس مهامه من السعودية بعد إقفال مقر السفارة الأمريكية في صنعاء في فبراير 2015، فقط على أولوية التعاون مع السعودية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وعلى أهمية العمل المشترك «في مواجهة النفوذ الإيراني الخبيث»، بل اعتبر في بعض تصريحاته أن المملكة ليست طرفاً في الصراع اليمني.

ولكن للتعرّف على ميول تولر الخاصة في ما خص قضايا الشرق الأوسط، يمكن رصد مواقفه من الأزمة اليمنية بين فترة تعيينه وبين ربيع عام 2016، حين كانت الخارجية الأمريكية تترك له هامش تحرّك واسع، بسبب انشغال الوزير جون كيري بملفات أخرى أبرزها الملف السوري، ما يعني أنه لم يكن فقط موظفاً ينفّذ تعليمات.
أهم ما نُشر عن ذلك تقرير لموقع «ذا إنترسبت» رصد تحركات تولر ومواقفه خلف الكواليس في تلك المرحلة، ونسب المعلومات التي ذكرها إلى ست موظفين كبار حاليين وسابقين في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي عملوا معه عن قرب.

يبدأ التقرير من حادثة استهداف طائرات التحالف العربي لميناء الحديدة، في أحد أيام منتصف أغسطس 2015، وتدميرها خمس رافعات ضخمة حيوية لتفريغ حمولات السفن التي ترسو في ذلك الميناء الذي تدخل منه حوالي 80 % من المواد الغذائية المستوردة.. تسبب ذلك بنقص في المواد الغذائية وبتزايد التحذيرات الدولية من مجاعة في اليمن، فقدمت الولايات المتحدة مساعدة بقيمة 3.9 ملايين دولار لبرنامج الغذاء العالمي من أجل شراء رافعات جديدة.. وعندما توفرت الرافعات بعد أشهر، منع التحالف العربي السفينة التي تحملها من التوجه إلى الحديدة. وبالرغم من أن الولايات المتحدة هي مَن دفع ثمنها، إلا أن دبلوماسياً أمريكياً كبيراً عارض وصولها. أنه ماثيو تولر الذي رأى أن لا ضرورة لتركيبها في ميناء الحديدة لأنها ستتدمّر مجدداً بفعل غارات جديدة، متجاهلاً التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.

وخلال محادثات السلام، بحسب التقرير نفسه، دعم تولر خطة الحكومة اليمنية التي طالبت الحوثيين بالخروج من صنعاء وتسليم أسلحتهم، دون ضمانات بشأن مستقبلهم السياسي.
كان تولر يمثل بلاده في تلك المحادثات، في بداية عام 2015، ولم يضغط على السعودية والحكومة اليمنية لتقديم عرض أفضل للحوثيين، لأنه كان يعارض أن يكون لهم أي دور في الحكومة اليمنية المستقبلية، بل أبلغهم بأن عليهم الموافقة على الخطة المعروضة عليهم قبل أن تسوء الحالة الإنسانية في اليمن أكثر، لا بل اتهمه المتحدث باسم الحوثيين والمفاوض محمد عبد السلام بأنه قال لهم، أمام سفراء الدول الـ 18 الراعية للتسوية السلمية في اليمن: «أمامكم اتفاق. إما توقعون عليه أو ستتعرضون لحصار اقتصادي. سننقل البنك المركزي، سنمنع وصول الواردات، وسنقفل مطار صنعاء».

لم تبدأ إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بمساءلة تولر حول سياساته المنحازة في اليمن إلا في ربيع 2016. في مايو من ذلك العام، أرسل له رئيس موظفي وزارة الخارجية جون فينر رسالة إلكترونية سأله فيها لماذا لم يدعم تشكيل حكومة وحدة وطنية بين أطراف النزاع، وهو نفس الأمر الذي قام به أيضاً مسؤول ملف اليمن في مجلس الأمن القومي إريك بيلوفسكي.

طالب المسؤولان تولر بعرض شيء ما على الحوثيين لدفعهم إلى القبول بخطة الأمم المتحدة للسلام. وفي رده، اعتبر تولر أن الحوثيين يفاوضون بنية سيئة، وقال إن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح سبق أن انتهك الاتفاق الذي أوصل عبد ربه منصور هادي إلى رئاسة الجمهورية، فلماذا لا ينتهك هو والحوثيون اتفاقاً جديداً يمنحهم دوراً محدوداً في الحكومة؟
بدأ المسؤولون في وزارة الخارجية يشعرون بأنهم لا يعرفون الكثير عما يفعله تولر في اليمن فراح جون كيري يدفع نحو الحصول على معلومات أكثر.

وعندما راحت التقارير الصحافية تتحدث عن انسداد الأفق أمام التوصل إلى حل، سأل فينر تولر مجدداً لماذا لم يدفع في المفاوضات نحو فكرة تشكيل حكومة وحدة. هذه المرة، قدم السفير إجابة مختلفة. قال إن حكومة الوحدة ستكون أقل رغبة في تحقيق مصالح الولايات المتحدة في اليمن، وأقل تقبلاً للرغبة الأمريكية في محاربة تنظيم القاعدة هناك، ولن توفّر الأمن للحدود السعودية الجنوبية.

بعد ذلك، أرسل كيري تعليمات جديدة لتولر وطلب منه تغيير مقاربته للأزمة. أخبره بأن عليه أن يعد الحوثيين بدور في الحكومة المستقبلية. وبحسب تقرير «ذا إنترسبت»، لم يثق كيري بأن تولر سينفّذ تعليماته، ورأى أنه يجب أن ينخرط شخصياً في المحادثات للدفع نحو المقاربة الجديدة، ومن هنا كانت مشاركته في مفاوضات السلام اليمنية.
وبعد نهاية محادثات الكويت في أغسطس 2016، دعم تولر فكرة نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، وهي الفكرة التي أثارت قلق فينر بسبب ما يمكن أن يترتب عليها من نتائج إنسانية.

حجة تولر كانت تقوم على أن الحوثيين يستخدمون أموال البنك لدفع رواتب المؤيدين لهم، ونقله إلى عدن سيخدم الشعب اليمني على نطاق أوسع. وقبل دعم إدارة أوباما لهذه الخطوة، طالبت بضمانات حول أن البنك سيوزّع الأموال وفق المصلحة العامة.
لم تحصل واشنطن على تلك الضمانات، وعندما اتخذ هادي قرار نقل البنك إلى عدن في سبتمبر 2016، قام بذلك بدون دعم أمريكي للخطوة. ولكن مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية كانت تساورهم شكوك بأن تولر دعم الفكرة بهدوء في الرياض.

كانت النتيجة تفاقم الأزمة الإنسانية وتصعيب استيراد القمح إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وترك حكومة صنعاء غير قادرة على دفع رواتب الموظفين والعاملين في المستشفيات.
مع وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في أمريكا، أبقي على تولر في منصبه في اليمن، وهذا لم يكن غريباً. فالسفير الذي سمّاه أوباما لمنصبه في اليمن كان «ترامبياً» في نظرته إلى قضايا الشرق الأوسط، قبل وصول ترامب إلى سدّة الرئاسة، وكانت علاقته جيدة بالسعوديين.

قريباً، سيصل تولر إلى العراق وسيمارس مهماته منطلقاً من ثوابت لديه: التقارب مع السعودية والإمارات، والعداء لإيران والميليشيات الموالية لها. ستنعكس آثار ذلك بشكل سريع على مطالب الأمريكيين من الحكومة العراقية، وستكون سياسات ممثل واشنطن الجديد أكثر هجومية وأكثر «جرأة» من سياسات سلفه، ويمكن منذ الآن توقّع صدامات بين فريقه وبين حلفاء طهران في العراق.
*كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية - عن (رصيف 22)