حقوق المعاق.. القول يناقض الفعل

كتب/ جهاد عوض


عندما يتحدث الآخرين عن المعاق فإننا نرى أقوالا باللسان ولا نرى أفعالا بالميدان وفي واقعنا اليومي، نلمس من حديث في أي مكان عندما تناقش أو تحاور أي شخص عن حياة وحقوق المعاق تسمع كلاما جميلا وإيجابيا منهُ يثلج الصدر والجسد، سواء كان المتحاور معك إنسانا عاديا أو مسؤولا صغيرا أو كبيرا في مرفق حكومي أو منظمة دولية يشعرك بأنه إنسان مثقف وواع يمتلك أفكارا ناضجة مما يجعله يحظى باحترامك وتقدير لمشاعره الانسانية النبيلة نحو تلك الشريحة المهضومة اجتماعيا واقتصاديا.

ولسان حال المسؤول بأنه “من حقكم كمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة أن تعيشوا حياتكم الطبيعية مثلكم مثل أي مواطن بالمجتمع، وأن تحصلوا على كل الحقوق والواجبات التي كفلها لكم القانون والدستور، سواء كان في التعليم أو العمل أو المشاركة المجتمعية أو غيرها”.

وللأسف في حقيقة الأمر عندما تذهب لمقابلته وعرض امر ما على ذلك الشخص المتشدق بحقوق وحق المعاقين فانك تجد العجب العجاب بل تظهر حقيقة بعض البشر، الذين يجملون ويزينون أنفسهم وذواتهم بظاهر القول ومحاسنه، وفي واقعهم لا تجد إلا شخصا مغترا بنفسه، وبعيدا كل البعد عن صفات الرقي والتواضع الإنساني، أقوله ليست كأفعاله.. تجد منه الرفض والمنع وكأنك ليس من هذا البلد، ولا من هذه الأرض بل من كوكب آخر.

وإن سمح وتكرم بدخولك لمكتبه ومقابلته أو انتظرت خروجه أمام باب مكتبه لساعات وكأنك متسولا أو طالبا صدقة أو إحسانا منه، ولسان حاله ونظرته المترسخة في ذهنه ومستوى تفكيره الناقص، أن يرى المعاق بهذه الوضعية والصورة إنه إنسان ضعيف وعاجز، ومنتظر منهم المساعدة لهذا تصاب بالحيرة والاندهاش والعجب والاستغراب، من التناقض والاختلاف بين أقوال وأفعال هؤلاء البشر، بين تصرفاتهم التي تخلو من الإحساس بالمسؤولية والواجب الانساني نحو أخيه الانسان وان كانّ معاقا..

بل حدثنا بعض الأخوة المعاقين الذين تسمح أمورهم المادية وعندهم القدرة والإمكانية على الدخول في العمل التجاري بمشاريع خاصة مع بعض المنظمات والجهات مثل تأجير سيارة أو الدخول بمناقصة بتنفيذ بعض المشروعات والبرامج البسيطة، يتقدم على أمل أن يعامل مثله مثل غيره من الآخرين، لا يريد منهم أن يعطوه ويفضلوه عن غيرهم بميزة أو فرصة، وإن كان هو الأحق بأن تعطى له الاولوية والافضلية، في سياق التعامل الانساني والمجتمعي، عند الشعوب المتحضرة والمتقدمة.

إلا أن المستمع لك اليوم ومحدثك بالأمس عند سماع كلامك وقصدك بطلب ذا أو ذاك العمل أسوة بالآخرين يتغير لونه ومزاجه كأن الشيطان يتخبطهُ من المس، فإن لم يكن جوابه صاعقا وحازما بالنفي وعدم الامكانية فإنك تجد حزمة من الأعذار والوعود الجاهزة مغلفة طبعا بابتسامة باردة وباهتة، ويا ليتها طبيعية صادرة من قلبه لعلها تسعد المعاق ويكتفي بها مستدلا بحديث الرسول تبسمك في وجه أخيك صدقة.

هذه التصرفات والنظرات القاصرة والخاطئة والتعامل أللا إنساني بحق المعاق تجعل المعاق يصاب بالحسرة والألم، وتتبخر آماله وطموحه في التطلع لمستقبل أفضل وأحسن، وتصطدم وتتحطم مجاذيفه بصخرة هنا وموجة عاتية هناك، وكأن البحر لا يقبل إلا كل سباح ماهر في المحسوبية والواسطة أو من كان قوياً وجباراً محمياً بجاه سلطوي أو مناطقيا.

وهذه هي فعلاً حياة المعاق في هكذا مجتمع توضع العراقيل والمعوقات أمامه، يعامل بالتفرقة والتمييز أللا إنساني وأللا أخلاقي، ما يجعل المعاق محبطاً ومتعثراً في حياته.. وهناك الكثير من تلك العينة من الاشخاص المزيفين، يريدونهم أن ينزوا ويبقوا في عالمهم الخاص بين الجدران الأربعة ويعيشوا وراء وهم وسراب أحلام اليقظة الوردية التي لا أساس لها إلا في مخيلة العاجز والمريض منهم، حتى يكون إنسانا مهزوما نفسياً بلا روح وبلا إرادة، جسدا مثقلا بالهموم والآلام فوق إعاقته ومعاناته، معتمداً ومستنداً على الآخرين في توفير متطلباته وحاجياته..

يريدونه كما تظن عقولهم وأنفسهم المعاقة أصلا عاجزاً وضعيفاً خاضعاً ومستسلماً، فإذا كانت هذه عقلية وفكر وتصرف وفعل كثير من الأفراد في المجتمع الذين ينظر إليهم على أنهم صفوة وقدوة المجتمع تعليمياً وثقافيا.. فإن نتاج هذه المحصلة مجتمع معيق لهؤلاء الناس بكل ما تحمله الكلمة من معنى ودلالة، مجتمع لا يتيح الفرصة والطريق إلا لمن يفرض نفسه ووجوده إلا بالقوة والسيطرة والنفوذ، وهذا ما لا يملكه المعاق الذي كما ذكرنا سابقا لا يحتاج الشفقة والرحمة من أحد.. يحتاج أن يعطى وتتاح له الفرصة المناسبة، وأن يشجع ويعامل مثله مثل سائر البشر.. ولكن بإمكانيات أقل حتى يثبت وجوده وحضوره الفعال في مجتمعه ومحيطه العام.​