«مدينة الجسور» هل تفعلها وتجمع فرقاء الحرب في اليمن وتلملم شتاتهم؟

علي حسين

من  سبتمبر إلى ديسمبر، تكون المدة الممنوحة دولياً لحسم معركة ميناء الحديدة قد انتهت مكللة بالفشل، حيث لم تستطع قوات «هادي»، أن تنجز شيئاً بشأن تعهداتها القطعية ووعودها بالسيطرة على مدينة «الحديدة» ذات الكثافة السكانية الهائلة.

الحديدة، وهي المدينة الساحلية الهادئة والمسالمة، بدت منيعة وقوية طوال عام كامل من الحرب؛ البرية والبحرية والجوية، حيث اشتدت المعارك وبلغت ذروتها خلال ثلاثة الأشهر الأخيرة، باستخدام أقوى وأفتك الأسلحة، لكن دون جدوى.. وعقب كل جولة مفاوضات فاشلة بدءا بـ «جنيف1، و2، و3، والكويت»، يتعهد المسؤولون الحكوميون والعسكريون في حكومات هادي الثلاث المتعاقبة، بفرض خيار القوة لإنهاء «الإنقلاب»، حسب وصفهم، ولا نتيجة، وصولاً إلى «السويد» الآن. لتبدأ مفاوضات جديدة، إذن.                     

«ستوكهولم» هذه المرة. هل يمكن أن يثق الرأي العام اليمني بنداءات السلام الدولية والأممية؟ وإلى أي مدى يبني اليمنيون آمالهم بمستقبل ما بعد الحرب؛ آمن ومستتب، يبدأ خطواته من على الشواطئ الشمالية الشرقية لبحر «البلطيق». سلام يأتي من هناك، من بعيد: من دولة الرفاه الاسكندنافي «السويد»؟!
بالنسبة لـ «مهيوب مهدي»، (32 عاما)، بائع فاكهة متجول «أتمنى ذلك لكني لا أتوقع شيئاً». ويضيف «لا أحد يثق بأميركا.. لو كانت تريد لليمن السلام فلماذا سمحت للحرب أن تنفجر من الأساس».

يعتقد كثير من اليمنيين، أن أميركا وراء الدمار الذي لحق ببلادهم. هذا الدمار الرهيب الذي طال كل شيء «نُفذ بأسلحة جلبها السعوديون والإماراتيون من كل دول العالم»، هكذا قال أيمن محمد، الطالب الجامعي، الذي لم يتمكن من الحصول على منحة لدراسة الطب في ألمانيا. وقال أيمن «هذا العالم منافق، يشجب ويدين العنف في اليمن واستهداف الأطفال، ثم بعد دقائق يوقع صفقة بيع أسلحة وذخائر لدول التحالف». ويتساءل أيمن بتعجب «هل أثق بهذا التاجر الذي يقتلني بسلاحه ثم يغدق علي بأغاني السلام! نحن لا نثق إلا بقوة إرادتنا!».

تأتي مفاوضات السلام اليمنية، هذه المرة متزامنة مع موجة السخط العالمية ضد الغطرسة السعودية، التي فجرتها قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول أكتوبر الفائت. ورغم الزخم الشعبي الذي عبرت عنه كثير من شعوب العالم ضد الحرب المرتكبة في اليمن، إلا أن فرص واحتمالات نجاح الجولة السادسة من المفاوضات لا تزال عند مستوى منخفض من التوقعات.

يمكن اعتبار وصول طائرة أممية إلى مطار صنعاء الدولي، لنقل 50 جريحاً من جماعة أنصار الله، (الحوثيين) لنقلهم إلى العاصمة العمانية مسقط للعلاج، أحد مؤشرات بناء الثقة، التي تستبق مباحثات «السويد»، لكن من الناحية الأخلاقية هذا ليس عملاً نبيلاً تستطيع الرياض وحلفاؤها التفاخر به، إذ إن من حق الجريح، وفقاً لقواعد الحرب وأعرافها، أن يحصل على الدواء وأن ينقل إلى المشافي لإنقاذ حياته. فلماذا سمحت الأمم المتحدة أن يكون هذا الموضوع أحد شروط الحوار والتفاوض، ولم تعتبره حقاً إنسانياً طبيعياً، وبالتالي؛ ملزماً!
لا يزال قطاعاً واسعاً وفئة كبيرة من اليمنيين تنتظر الوعود بصرف الرواتب، كعامل رئيسي من عوامل بناء الثقة، التي أعلنت حكومة «هادي» التزامها بذلك، ولم تفِ.

وصلت طائرتان إلى مطار صنعاء، إحداها لنقل الجرحى، والأخرى الطائرة الأممية المخصصة لنقل وفد «أنصار الله (الحوثيين) والمؤتمر الشعبي العام»، إلى «ستوكهولم»، لكن ما هي مؤشرات التفاؤل بنجاح هذه الحوارات، في ظل إطلاق بعض المؤشرات والتصريحات غير المشجعة، من قبل طرفي التفاوض.

قبل أيام تم إسقاط بث قناة «المسيرة» من مدار القمر الصناعي «نايل سات»، في الوقت الذي كان المبعوث الأممي الخاص «مارتن جريفيتس»، متواجداً في العاصمة السعودية الرياض، لبحث المقدمات التمهيدية التي من شأنها أن تعزز فرص وآمال نجاح أولى جولاته التفاوضية. لكن الغريب في الأمر أن مبعوث الأمين العام إلى اليمن لم يصدر حتى الآن أي شجب لتلك الخطوة.

يريد «هادي» وحكومته، سلاماً، متكئاً على ما أسموها بالـ «مرجعيات الثلاث»: المبادرة الخليجية (المبادرة الخليجية، التي كانت في الأساس قائمة بين طرفين مجتمعين الآن في الرياض؛ الرئيس الأسبق من جهة وهادي ومحسن والإصلاح من جهة ثانية)، إضافة إلى مخرجات الحوار الوطني والقرار 2216، وفقاً لتصريحات وزير الإعلام معمر الإرياني ومسؤولين آخرين في حكومة هادي. وذلك ما رفضه وفد صنعاء (أنصار الله والمؤتمر الشعبي) في كل جولات الحوار والتفاوض الـ5 السابقة، وما يعلنون مجددين رفضهم لها اليوم.

أحد طرفي التفاوض، يذهب منطلقاً من الرياض إلى السويد، للتفاوض مع الطرف الآخر؛ القادم من صنعاء، حيث لا يعترف له الأول بأي حق في الشراكة، إذ يعتبره انقلابياً، بينما لا يعترف الثاني بأي شرعية لخصومهم المدعومين سعودياً وأميركياً، إذ تطالب صنعاء بالتفاوض مع الرياض رأساً برأس، باعتبار ذلك هو الحل الناجز والأسلم لليمن والسعودية.

يقول القيادي في وفد الحوثيين عبد الملك العجري إن طاولة المفاوضات ستناقش ذرائع الحرب لا دوافعها، لغياب أهم طرفين في الحرب الرئيسيين بيدهما قرار الحرب: أميركا والسعودية.

ويرى المسؤول في جماعة الحوثي أن الشرعية، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب، ليست سوى «ذرائع لأهداف غير معلنة لكنها غير خافية». وأضاف «إن الولايات المتحدة والسعودية تنظران إلى اليمن من زاوية جيوسياسية باعتباره ساحة صراع مهمة في مواجهة ما يسمى النفوذ الإيراني وإبقاء المناطق المطلة على الممر الملاحي الدولي (باب المندب) تحت السيطرة». وبالتالي فإن وجهة النظر هذه لا ترى أي جدية لدى هاتين الدولتين: واشنطن والرياض، إذ لا يهمهما الحل ولم يصدر عنهما حتى الآن ما يؤكد أنهما أصبحتا راغبتين في الحل.

على الطرف الآخر، ترفض حكومة «هادي» عرض الأمم المتحدة لعب دور يجنب ميناء الحديدة الدمار والخراب، وترفض أيضاً الاعتراف بجماعة أنصار الله كـ «فصيل وطني»، حيث يتم نعتهم بـ «إيرانيون، ومجوس، وانقلابيون، ومليشيات متمردة»، يجب مواصلة الحرب ضدهم!
يخوض الدبلوماسي البريطاني «مارتن جريفيتس» غمار الأزمة اليمنية بتصميم وتحدٍ، كثالث مبعوث للأمم المتحدة إلى اليمن، مختبراً قدراته للمرة الثانية، بعد أن فشلت جهوده السابقة، في سبتمبر أيلول الماضي، جمع طرفي التفاوض.

«ستوكهولم» مدينة الجسور، ومجمع شواطئ البلطيق، عاصمة السويد، الجميلة التي استطاعت أن تجمع في قبضتها 14 جزيرة متناثرة داخل وحدة هندسية شديدة التنسيق والتناغم، هل تفعلها؟ وتسطيع أن تجمع فرقاء الحرب في اليمن، وتلملم شتاتهم؟
عن (الميادين)​