صحيفة الأيام - غيّروا وجه التاريخ: لويس باستير..الرجل الذي لقَّح العالم

غيّروا وجه التاريخ: لويس باستير..الرجل الذي لقَّح العالم

إعداد/ د. ياسر عمر الهتاري

​أحد أساتذته وصفه بأنه طالب عادي جداً، بل أقل من عادي وتحديداً في مادة الكيمياء، وتأكد لأستاذه عكس ذلك تماماً عندما أصبح هذا الطالب بدرجة مساعد أستاذ وهو في سن الثامنة عشر، وحاصلاً على الدكتوراه وهو في الخامسة والعشرين، وعميداً لكلية العلوم وهو في الثانية والثلاثين، وبلغ شهره عالمية منذ أن كان لا يزال في العشرينيات من عمره. أراده أبوه أن يكون معلماً لكنه أصبح من أشهر علماء العالم، إنه العالم الفرنسي لويس باستور Louis Pasteur المولود في 27 ديسمبر 1822م في مدينة (دول) شرق فرنسا.

هو أحد أهم مؤسسي علم الأحياء الدقيقة، وكان سؤاله الأكبر لماذا يحمض اللبن ويتعفن الطعام؟ ولم يكن أحد في العالم يعرف جواباً لهذا السؤال عدا الاعتقاد بأن سبب ذلك هو (التولد الذاتي) والذي يعني أن كائنات دقيقة تنتج عن التخمر وليست هي مسببة له، أي أنها حياة تنتج من لا شيء، وهو الأمر الذي لم يكن مقنعاً لباستور، لذا اهتم باستور بدراسة ظاهرة التخمر فاكتشف أن التخمر يحدث بفعل كائنات جرثومية دقيقة، وأن فساد المشروبات المخمرة يعود إلى فعل هذه الجراثيم، وتوصل بالتالي إلى أن هذه الجراثيم من الممكن أن تؤدي إلى إيذاء الإنسان والحيوان على حد سواء، وكان آخرون قد سبقوا باستور إلى هذه الحقيقة لكنه كان أول من أثبت بالتجربة العملية صحة نظريته وهو ما تسبب في اقتناع كل العلماء في عصره بدور الجراثيم في إفساد المشروبات المخمرة، وكان باستير قد أثبت بتجربة بسيطة لغذاء معزول عن الهواء أنه لم يتخمر إلا عندما عرضه للهواء، لذا يعتبر باستور في يومنا هذا أنه منشئ نظرية جرثومية المرض وعلم الجراثيم، إلى جانب روبرت كوخ.

وتوصل باستور إلى أنه إذا كانت الجراثيم تؤدي إلى الإصابة بالمرض، فإن القضاء عليها سوف يؤدي إلى الوقاية من الأمراض، وبذلك كان باستور أول من دعا إلى استخدام المضادات للوقاية من الأمراض، ولما كانت الجراثيم تدخل إلى جسم الإنسان عبر طعامه فقد ابتدع باستور طريقة للقضاء على الجراثيم بطريقة عرفت فيما بعد بـ (البسترة) نسبة إليه، وأول ما بدأها كان على مشروب اللبن فقضى بطريقته هذه على الجراثيم التي تفسد اللبن.

والبسترة هي عملية معالجة للبن حرارياً للقضاء على الجراثيم الموجودة فيه عن طريق الاستفادة من مبدأ الانكماش والتمدد بفعل الحرارة، حيث عمل باستور على تسخين اللبن إلى درجة حرارة عالية تصل إلى نحو 72°م لمدة 15 ثانية تؤدي إلى تمدد الجراثيم، ثم تبريد اللبن بشكل مفاجئ وسريع إلى درجة حرارة 5°م وهي درجة حرارة تؤدي إلى انكماشها، ما يؤدي إلى القضاء عليها.
وقبل طريقة باستور كان يتم استخدام طريقة التعقيم بالغليان والتي تستلزم تسخين اللبن إلى درجة الغليان والتي تفوق (100°) حتى يتم القضاء على الجراثيم، لكن بالتعقيم يفقد اللبن العديد من فوائده الغذائية كما يحدث له تغيير في الطعم والرائحة، فكانت لطريقة باستور العديد من الفوائد وخاصة تلك المتعلقة بصناعة تعليب اللبن.

التفت باستور بعدها إلى دراسة مرض خطير معدٍ يصيب الإنسان والحيوان معاً وهو مرض (الجمرة الخبيثة)، وتمكن من الوصول إلى نوع خاص من البكتيريا مسببة للمرض، ومن ثم حقن الحيوانات به، فوصفه بعض العلماء حينها بالجنون لأن أحداً لم يفعل ذلك قبلاً، فتحدوه بأن يعرض التجربة أمامهم، فقبل باستير التحدي فأحضروا له خمسين ماعزاً فعمل على حقن خمسة وعشرين منها بجراثيم ضعيفة لمرض (الجمرة الخبيثة) ومن ثم عمل على حقن الخمسين ماعزاً بكمية كبيرة من جراثيم هذا المرض، وقال بكل ثقة موعدنا هو 2 يونيو 1881م، فحضر الجميع وفوجئوا بأن مجموعة الأغنام الملقحة عاشت جميعها بينما الخمسة والعشر,ن الباقية قد قضي عليها جميعاً، فاعترف الجميع بعظمة اكتشافه.
لويس باستور في معمله أثناء قيامه بالأبحاث لاكتشاف اللقاحات

وكان هذا المنهج غريباً آنذاك ولم يبتدعه أحد قبل باستور، فكان ذلك حدثاً علميا وثورة في مكافحة الأمراض هزت الأوساط العلمية والطبية، كما عمل على اكتشاف أمصال لأمراض أخرى مثل التيفويد، حيث توفي ثلاثة من أطفاله في وباء للتيفوئيد وهو الأمر الذي دفعه لاكتشاف لقاح له، وكان باستور أيضاً أول من أنتج مضاداً لداء الكَلَب المميت، وكان متردداً في تجريبه على البشر، وبلغ به جنونه العلمي أن أبلغ زملاءه أنه سيحقن نفسه بداء الكَلَب لتجربة لقاحة، إلا أن الأقدار ساقت له طفل حملته أمه إليه وقد عضه كلب مسعور وكان الطفل ميتاً لا محالة، وشفي الطفل وكان تاريخ 6 يوليو 1885 فاتحة لواحد من أعظم الاكتشافات الطبية في العالم حتى الآن، ويكفي أن نعرف بأن نسبة الوفيات بداء الكلب قد انخفضت من 100 % تقريبا إلى أقل من 1 %، وتمكن من إنتاج أمصال ضد إصابة الدواجن بمرض (الكوليرا) والتهابات التهابات النخاع الشوكي، كما توصل في أبحاثه العديدة إلى اكتشاف أنواع من الجراثيم تستطيع أن تعيش دون الحاجة إلى الهواء بل إن الهواء يقتلها، وأسماها بـ «الجراثيم اللاهوائية»، فكان ذلك اكتشافا علمياً وطبيا عمل على قلب العديد من الحقائق العلمية المعروفة آنذاك.

وبشكل غير مباشر أسهم لويس باستور في نجاح العمليات الجراحية التي كانت تجرى آنذاك، إذ إن فكرة التجرثم الخارجي دفعت بالجراح (جوزيف لستر) إلى اتخاذ مبدأ التطهير في الجراحة وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة نجاح العمليات الجراحية من 15 % إلى 90 %، حيث كانت مواقع العمليات الجراحية تصاب بالتعفن والغنغرينا ووفاة المريض، فالعملية الجراحية كانت تعني الموت غالباً.

توفي باستور في 28 سبتمبر 1859م وترك إرثاً علمياً طبياً غزيراً كان مفتاحاً لحل العديد من الألغاز الطبية، وظل يعمل حتى بعد أن أصيب نصفه الأيسر بالشلل، ويعود السبب لأبحاث باستور في التقليل من أعداد الوفيات وفي زيادة متوسط عمر الفرد، فأبحاثه هي التي عملت على إنتاج أمصال ومضادات للعديد من الأمراض التي كانت تفتك بالبشر، وكانت الإصابة بها حكماً مؤكداً بالإعدام، فكان بأعماله واحداً ممن غيروا وجه التاريخ.