العلاقات السعودية الأمريكية إلى أين تتجه؟

منصور الصبيحي

لمحة تاريخية
العلاقات السعودية الأمريكية اللاجدلية الممتدة لعقود من الزمن، التي ظلت وعلى المدى الطويل تتسم بالقوةِ والمتانة لما لها من مكانة تحتلها على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، نشأت في ظروف استثنائية معقدة مر بها العالم، كان يتطلب من ذات التوجهين الرأسمالي إلحاحاً من إقامة التكتلات العسكرية والاقتصادية للوقوف أمام المد الشيوعي الذي نشأ على هامش ثورات التحرر الديمقراطية العالمية في العديد من البلدان، التي خرجت من تحت عباءة الاستعمار لتلقى نفسها تقف وجه لوجه أمام  تركته المتبقية، ومحاولة منها كنس ما بقي من عوالق عليها تتحكم وتوجه البوصلة السياسية لها بغرض  ثنيها عن الالتحاق بموكب التحرر ذاته كي تبقى رهينة محبس الهيمنة، التسلط، الإلحاق.

وقد تميزت هذه العلاقة بقدر من الثبات وتحمل المسؤولية للجانبين، وعلى مدى العقود المنصرمة وكهدف إستراتيجي ينبغي عدم المساس بهِ أو التفريط فيهِ لما له من أهمية وقاسم مشترك وكعنصر من عناصر البقاء والصمود للجانبين.
وهكذا وعلى المدى قدمت المملكة ما قدمت إسهاماً مباشر وغير مباشر في تقوية روافد الاقتصاد الأمريكي، حتى أصبحت رقم صعب للمعادلة السياسية العالمية بالنسبة للأمريكان وذات مكانة عالية في خانة الحلف الذي يقف بقيادتها مادياً ومعنوياً في وجه مشروع شرق أوروبا ممثلة بالاتحاد السوفييتي.

وعلى هذا الحال برزت تلك العلاقة خطاً أحمر لا ينبغي الاقتراب منه أو المساس به بالنسبة لكل الصاعدين من الساسة الأمريكان إلى البيت الأبيض بمختلف توجهاتهم جمهوري وديمقراطي للمعرفة المسبقة والأكيدة بهذه العلاقة، وما سيترتب عليها من مساوئ حال تعريضها للخطر على الجانبين اقتصادياً على الأمريكان وأمنيًا على السعودية، وهكذا بقيت هذه العلاقة تراوح مكانها المحدد لها سلفاً دون أن يشوبها أي نقصان، بالرغم ما تجنيهِ على الجانب السعودي من خدوش لقوميها على ضوء معيار الحصانة التي يوفرها الطرف الآخر للإسرائيليين وعلى حساب الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية، وأيضا ما توصمه تلك العلاقة على أمريكا من إحراج نسبة لخلفيات أدبيات حقوق الإنسان الذي لا ينسجم وطريقة الحكم والدستور السعودي القائم على البيعة والتوريث لسلطة، ويتعارض تعارضاََ صارخاً لأبسط المبادئ تلك وفقاً لمرجعيات الأمم المتحدة والإعلان العالمي ذاته، وأيضا وفقاً لذلك لا يتماشى مع القيم التي يتبناها دستور الشعب الأمريكي والمبادئ التي ينادي بها ويسعى إلى تعزيزها لدى العالم.
عناصر تقف في وجه تلك العلاقة:

1 - ازدواجية معايير العلاقة الأمريكية في الشرق الأوسط
على ضوء معيار الحصانة التي يوفرها الأمريكان لإسرائيل باعتبارها جزاء لا يتجزأ من خارطتها العسكرية قاعدة كبرى أو كمقاطعة من مقاطعاتها تقع خارج نطاق جغرافيتها المعروفة، يتوجب الحفاظ عليها وحمايتها استعداداً لأي طارئ ينتج من عدوِِ محتمل قوي يتوقع ظهوره يوماً ما من الشرق الأوسط، مستنداً على خلفيات أيديولوجية بمرجعيات دينية..

قومية مع إرث من الأحفاد المتراكمة تاريخياً الممتدة لمئات السنين لو قدر له الظهور يوماً فستصبح لعبة الصراع أكثر تعقيداً وصلابة فلن ينفك بعدها ذلك الصراع وينكسر إلا بخسائر فادحة سيدفع ضريبتها سكان المعمورة لمئات من السنين القادمة، وهكذا تبرز العلاقة الأمريكية مع الشرق الأوسط تجسيداً بالمملكة العربية السعودية أكثر دراماتيكية تميزت بأسوأ ردات فعل الشارع العربي على خلفيات تلك العلاقة المشوهة صورة تتجلى بوضوح لظهور التيارات المتشددة المستندة لإيديولوجيات دينية محضة ومستمدة قوتها من احتقان الشارع وما يعانيهِ افتقاراً لمتطلبات حقه في العيش الكريم، وحقهِ في الحرية والتعبير والمشاركة في صنع القرار توائماً مع إفرازات الحضارة الغربية وما تشهده من تطور على أساس الحرية والمساواة والعدالة وغير ذلك.. مما تتمتع به تلك الشعوب من امتيازات ناتجاً يُلمس عن بُعد لدى الشارع العربي ولا يستطع تذوقها. وعلى هذا الأساس تصبح اللعبة لمحور العلاقة الأمريكية السعودية تتصادم تصادماً مباشراً مع عمق المتطلبات تلك، وإفرازاً حتمياً لمعيار الازدواجية أمام إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى الحرية المغيبة لشعوب العربية خوفاً من ذلك النضوج نهوضاً للأسباب المذكورة سلفاً التي منها يحاول السايس الأمريكي دس رئسه في الرمل حيالها تعارضاً مباشراً مع ما ينادي به  ويتبناهُ في صميم أدبياته من قامت عليها الولايات المتحدة يوماً واستمدت قوتها منها حتى غدت قوة عالمية لا تضاهى اقتصادياً، عسكريا، اجتماعيا، علميا، تتحكم تحكماً مباشراً في توجهات العالم وفقاً لذلك.

2 - خفايا الصراع الإيراني السعودي ودور الأمريكان
ظهور الصراع الإيراني العربي في فترات تعود لحقب تاريخية حديثة وقديمة، فالحضارة الإسلامية التي قامت على أنقاض حضارات في الشرق الأدنى والأوسط وشمال غرب آسيا، بحيث كانت هذه حضارة فارس (إيران) هي أكبر المتضررين منها ومن التوسع للحضارة الإسلامية على حسابها، وبعد أن وجدت نفسها أمام استجابة لنور الرباني المشع استجابة منقطعة النظير لدعوة مصدرها جزيرة العرب ورسول بلسان عربي فصيح محمد -صلى الله عليه وسلم-، مع تغير متسارع مباشر يطال كثيراً من البلدان بالدعوة أولا وبالسيف ثانياً، وأخذ ذلك الأسلوب يتوسع في أماكن كثيرة، ولم يعد بمقدورها مجابهة المثل بالمثل، والقوة بالقوة، فكان عليها لزوم أن تتكيف مع ذات التغيير الجديد، وتلجأ إلى طريقة أخرى أكثر مكراً، وهي الحرب من نفس ذات التوجه، تهدف من خلفه لشق الصف الإسلامي، وعلى إثر ذلك تحولت تحولاً مباشراً بعد امتصاص قوة الضربة  نحوا ثم تحويلها باتجاه مغاير إلى صدر صاحبها، وبأسلوب عقائدي أدى لبث الفتن بين المسلمين استثماراً للخلافات، من ثم  تصدير أنفسهم يقفون إلى جانب الطرف الأضعف في المعادلة (علي)، فغدو يطلقون على أنفسهم بآل البيت، وهم بالأساس جلًَهم لا يجيدون التحدًث بالعربية إطلاقاً، وعلى هذا الأساس لا زال ذلك الصراع التاريخي يمد ذيولهُ وإلى يومنا محافظاً على آليّته التي لم تنفك البتة، ومن خلال ذلك دخلت الولايات المتحدة على الخط مؤخراً مسخرة هذا إياه لخدمت أغراضها، وسور تلفه على رقاب العرب، وكعامل مساعد لإدامة بقائها، وبعبع تخوف بهِ الأصدقاء الآنيين، استشعاراً منها عند بلوغ الجمع القناعة من استحالة البقاء تحت مضلة الهيمنة والوصاية لها.

الصراع العربي السعودي الإيراني يزداد حدة
اللافت إلى النظر هو ازدياد عنصر الصراع العربي الإيراني مؤخراً وبلوغه ذروته استذكاراً لسنين الحرب العراقية الإيرانية التي وضعت الجانبين -إيران العراق- في تواجه مستعر وجه لوجه، انتهت المعادلة بتوقف المواجهة ودخول العراق في دوامة صراع آخر مع الأمريكان وحلفائهم في الشرق الأوسط، انتهى بنهاية نظام صدام حسين، ودخل البلد في أتون نفق مظلم لم ينتهي من السير على دربه وإلى يومنا. وبعدها برز الناجي من دوامة الحرب (إيران) كجاني أرباح الصراع ذاته المتمثل بين حلفاء الأمس ضدهُ ووريث لحضارة بابل وأشور، يتمدد في العمق ويستقطع جزاء هاماً من أجزاء الوطن العربي، عن طريق ما يغذيهِ لطائفة بعينها مادياً ومعنوياً سلوكيات تخدم أغراضه التوسعية مستغلاً العديد من المعضلات العربية من باتت تؤرق الجميع ومستعيناً بما ينهبه من خيرات هذا البلد ليحاول عن طريق وكلائه ثم يتم تدويرها لخدمة أغراضه ككل، وبالمقابل  يقف العرب عاجزين غير قادرين على فعل أي شيء، حيال ذلك يركنون بالاعتماد على الحليف القوي لعمل ما يستطيع عمله وإنقاذ ما يتم إنقاذه، ولردع إيران وفك العقدة درأً للخطر المحدق بالجزيرة العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. ولكن ذلك الارتهان يبقى رهينة لروتين معتمد وسعة صدر عميق للمشكلة تدرس على ضوء الفوائد وجني الربح من وراء القدوم على عمل كهذا.

حتى وصل الأمر إلى ما لا يُحمد عقباهُ؛ استطاعت بموجبهِ فارس الأمس (إيران اليوم) التمدد ومواصلة السير قدماً ولالتفاف على الجزيرة العربية وتطويقها جنوباً ومن الجهة المقابلة بعد تطويقها شمالاً؛ كي تخنق الجميع عن طريق ممر مائي آخر إلى جانب ممر مضيق هرمز، تلك اللعبة التي لم تحسب لها المملكة السعودية وحليفتها أمريكا والدول الخليجية حساباً لتلقى نفسها في مواجهة مستعرة مسرح أحداثها اليمن نتاج التعويل على الحلف الركيك مع نظام صالح لزمن طويل، وهكذا تتصدر المملكة العربية السعودية الواجهة في حرب الوكالة عن العرب وعن حلفائها، وعلى رأسهم أمريكا، لصد هذا التمدد ثم تظهر الولايات المتحدة الأمريكية من خلفها تقف كداعم بصفقات سلاح تقدر بالمليارات، إضافة لما تقدمه من دعم لوجستي بالرغم ما يشوب ذلك من لغط شعبي وعالمي على ضوء الأخطاء المترتبة على بيع وتصدير تلك الأسلحة، والدعم بسبب ضربات الطيران المعتمدة خارج معاير الأمان والسلامة.

3 - الطرح الإعلامي وصحوة الضمير
يقف العالم اليوم أمام معترك صعب جراء نشوء حالة الاحتقان في العديد من دول العالم على خلفيات مشاكل عدة لكل منها  مسبباتها، ولكن تبرز مشاكل الشرق الأوسط من أكبر المشاكل تعقيداً لما لها من تبعات، وتأثير على مجريات الأحداث على الساحة العربية، والإسلامية، العالمية، وغدا الطرح الإعلامي من أبرز الداعمين والمسرعين باحتدام ذلك الاحتقان إلى حدود لم يعد التأثير لتلك المشاكل ينحصر نطاقها على دول الإقليم ذاته؛ بل يتعداها تأثيراً عابراً القارات بفعل التغيرات العالمية على مستوى تمازج الحضارات والمصالح المترابطة والتطور الهائل على شتى المجالات لشعوب ودول، وبالأخص جانب الاتصالات والتواصل..

وهكذا يغدو الطرح الإعلامي من أبرز اللاعبين والمروجين لذلك الاحتقان، يستهل ساحة العدو ومن باب ساحة العدو نفسه عن طريق المتلقي (الجماهير) محاولاً التأثير فيها مباشرة لكشف العيوب بأنظمتها المعتمدة، والتشهير بها مجابهة لأطراف أكثر ارتباطاً منه بتلك القوى العظمى، عن طريق المتلقي المذكور آنفاً كقضية (خاشقجي)، التي استثمرت أيما استثماراً من قِبل الإعلام الموجه (القطري التركي)، وغدا مساحتها ليس فقط ينحصر في أصحاب الشأن؛ بل يتعدى كثيراً إلى حدود العالمية وصولاً إلى أروقة البيت الأبيض ومجلس الشيوخ، ثم غدا خبر الشارع والصحف في تلك البلدان أمراًَ يلقي بظلاله على مستقبل العلاقة الأمريكية السعودية، على ضوء ذلك وما أفرزته تلك الحادثة من ردات فعل الشارع ليتلقفها المشرع في مجلس الشيوخ يبلورها على صورة قانون يحظر التعاون العسكري مع المملكة السعودية في حرب اليمن تحاشياً لأي تذمر من قِبل الشارع الأمريكي، وكرد فعل للحادثة تلك من توفرت فيها كل عناصر القناعة لديهم على خلفية مزاعم تدبيرها مع سبق الإصرار من قِبل محسوبين على النظام السعودي نفسه، ما حدا بالرئيس (ترامب) عن طريق وزير خارجيته (بامبيو) تلويحاً باستخدام عنصر الرئيس (ترامب) ما يمنحه الدستور إياه من صلاحيات قانونية لنقض القرار والاستمرار في التعاون وتقديم الدعم حفاظاً على مصالح الشعبين لما قد تؤول إليه الأمور؛ ليصبح ذلك تكهناً تضحية بالمستقبل السياسي له على غرار نية الترشح للانتخابات المقبلة، من ستكون حتميتها المواجهة مع الديمقراطيين على خلفية عدم النزول عند مطلب المشرعين أحد أبرز معالمها.