نار ليلى

محمد حسين الدباء

هذه قصيدة نادرة وجميلة جداً للمرتضى الشهرزوري (465 -511هـ)، أحد القضاة والفقهاء والمتشرعين، فقد ولد هذا الشاعر وعاش فترة من حياته في إحدى المناطق التي كانت تابعة للموصل آنذاك في شمال العراق.
يعتبر القاضي المرتضى شاعراً من شعراء التصوف، عاش في فترة انتقالية في أواخر العصر العباسي وفي بدايات العصر المملوكي.

أما قصيدة (نار ليلى)، فتعد من عيون الشعر العربي والصوفي خصوصاً، وقيل: إن هذه القصيدة من الغزل الأرضي؛ أي أنه أحب فتاة جميلة ولم يستطع البوح بما في نفسه لمكانته الدينية خاصة وأنه كان قاضياً، ولكنه، هرباً، نسجها على منوال الشعر الصوفي والعشق الرباني، إذ تتناول رحلة روحية للبحث عن الحقيقة المطلقة التي خرج في سبيلها الشاعر ليلاً لعله يهتدي إلى نارها المقدسة مع صحبة له يؤنسون وحدته، كما يقول النقاد الذين تناولوها، وقيل إنها من الغزل الرباني.

ومن أشعاره الجميلة والرقيقة التي بلغت غاية الجمال والرقة في الغزل، ولكنه ينخرط تحت عنوان الإخوانيات، يقول:
وفيت له بالعهد دهري وما وفى
وأصفيته محض الوداد وما صفا
وعاملته بالود والوصل والرضا
وعاملني بالهجر والسخط والجفا

وقال النقاد الذين تناولوها، أستهلها صاحبها بتوصيف مشاق رحلة السري ليلاً للبحث عن ضالته وهواه، ومحنة الوصول إلى منازل قومها على مرتفع، وقد لمعت نارهم على بعد، للدلالة على منعة ورفعة مقامهم، و ما لاقاه في سبيلها من معاناة و مكابدات إلى أن يلقي بعصا السير، حيث منية الظفر بالوصال ولقاء المحبوب.
لمعت نارهـم وقـد عسعـس اللي
ـل ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البيـ
ـن عليل ولحظ عيني كليل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنّى
وغرامي ذاك الغرام الدخيل
ثم قابلتها وقلت لصحبي
هذه النار نار ليلى فميلوا
فرموا نحوها لحاظاً صحيحا
تٍ فعادت خواسئاً وهي حُول
ثم مالوا إلى الملام وقالوا
خلب ما رأيت أم تخييل
فتجنبتهـم وملـت إليـهـا
والهـوى مركبي وشوقي الزميل
ومعي صاحب أتى يقتفـي الآ
ثار والحب شرطه التطفيل
وهي تعلو ونحن ندنو إلى أن
حجـزت دونها طلول محول
فدنونا من الطلول فحالت
زفرات من دونها وغليل
قلت من بالديار قالوا جريح
وأسير مكبل وقتيل
ما الذي جئـت تبغـي؟ قلـت ضيـفٌ
جاء يبغي القرى فأين النزول
فأشارت بالرحب، دونك فاعقر
ها فما عندنا لضيـف رحـيـل