إيران وتركيا.. خيوط التآمر الخبيث في اليمن

عمر الأحمد

بعد مرور أغلب دول المنطقة العربية بعواصف ما يسمى بـ«الربيع العربي» منذ 2010 التي أدت إلى زعزعة أمنها واستقرارها، تكالبت على هذه المنطقة دول شكلت تحالفاً تآمرياً ضدها لتحقيق أطماع توسعية واستعادة أمجاد إمبراطوريات أكل عليها الدهر وشرب. تحالف إيران وتركيا ضرب بالعلاقات الدولية والأعراف الدبلوماسية عرض الحائط بهدف تمرير أيديولوجيات تهدف إلى هدم التماسك الوطني في البلاد العربية كي يتسنى لها سرقة أراضيها وممتلكاتها. «الاتحاد» تفتح ملف هذا التحالف التآمري، لتتعرف على أسبابه وحيثياته، وتشاطر أهدافه بالرغم من الصراع التاريخي بين البلدين، حيث تستعرض الخيوط الخبيثة التي يتشاركها الطرفان في اليمن، وسوريا، والعراق، وليبيا، وحتى في ملف القضية الفلسطينية. كما استطلعت «الاتحاد» آراء الخبراء الذين أكدوا أن المصالح والأطماع المشتركة بين البلدين جمعتهما ضد العرب، مشيرين إلى أن جماعة الإخوان الإرهابية إحدى أهم أوراق التآمر التي جمعتهما معاً.

الساحة اليمنية
لا يخفى على القارئ الدور الإيراني الخبيث في اليمن وتأزيم معاناة شعبها، وذلك من خلال الدعم المتواصل للميليشيات الانقلابية الحوثية التي ذاق منها الشعب اليمني الأمرين، بالإضافة إلى الأسلحة والصواريخ الإيرانية التي يتم تهريبها إلى الحوثيين، والتي يستخدمها الأخير في تهديد استقرار المملكة العربية السعودية. ولكن، قد يتساءل القارئ، ما هو الدور التركي؟ وكيف قامت جماعة الإخوان الإرهابية بجمع قطبي التآمر على الأراضي اليمنية ضد الشعب اليمني؟
ويقول الخبير الاستراتيجي العميد ركن متقاعد خلفان الكعبي، إن التحالف التركي الإيراني واضح وجلي وغير خفي للهيمنة على اليمن مدخلاً للسيطرة على المنطقة بأسرها والاستحواذ على ثروات المنطقة والاستفادة من الموقع الاستراتيجي، وأن التاريخ شاهدٌ على الأطماع المشتركة، حيث إنه كان للعثمانيين نفوذ وسيطرة على أجزاء واسعة من اليمن، واستفادوا من ثرواته وموقعه الاستراتيجي إبان الدولة العثمانية، كما أن إيران ترى أن لها حقاً في الهيمنة والسيطرة على اليمن بالنظر إلى مساندتهم لأهل اليمن في طرد الأحباش عندما ساعد كسرى سيف بن ذي يزن، وأرسل له جيشاً لمساندته، وأسس لوجود فارسي في اليمن، لافتاً إلى أن الأطماع الإيرانية والتركية لم تتوقف في السعي للهيمنة على اليمن ومقدراته وموقعه الاستراتيجي، فإيران عبر ميليشيات الحوثيين انقلبت على الحكومة الشرعية في سبتمبر 2014 لتفرض أجندةً إيرانية ولتنفذ وتحقق مصالح إيران في السيطرة على طرق الملاحة البحرية، ولتسيطر على مضيق باب المندب ولتكمل محاصرتها لدول الخليج، حيث إن نفوذها في سوريا والعراق بات واضحاً ومهيمناً، وبالتالي فإن سيطرتها من خلال وكلائها في اليمن يؤمن لها سيطرة كاملة على دول المنطقة وعلى طرق التجارة وأهم الممرات المائية، أما تركيا فمن خلال حزب الإصلاح الإخواني الموالي لها، ومن خلال الدعم القطري المادي والإعلامي والمعنوي وأطراف أخرى في المنطقة تسعى لاستعادة هيمنتها العثمانية لإدراكها أهمية موقع اليمن الاستراتيجي، ولبسط نفوذها على دول المنطقة، مضيفاً أن ذلك لا يعني أن هناك توافقاً تركياً إيرانياً، ولكنه يعني أن هناك مصلحة مشتركة للجانبين و«تحالف مصلحة»، فمن ناحية هذا التحالف سيخفف من وقع العقوبات الأميركية على إيران، وسيجعل تركيا مقبولة لدى إيران في حال وجود تسوية، كما أن تحالف المصلحة سينفض في حال وأد المشروعين الإيراني والتركي في اليمن من خلال حسم المعركة ضد الحوثيين في اليمن، أو نجاح المفاوضات في عملية تسوية سلمية داخل اليمن. وأشار إلى أنه لمنع تركيا من تحقيق طموحها في اليمن من المهم وقف التدخلات القطرية وحزب الإصلاح الإخواني من السيطرة على الشأن الداخلي اليمني، وبالتالي فإن المصلحة المشتركة الإيرانية التركية ستنتهي، وسيعود الطرفان إلى التنافس، وستبرز الخلافات بينهما في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على إيران وعدم تمكن تركيا من الاستفادة من حدودها المشتركة مع إيران.

وشدد الكعبي على أهمية تشكيل محور عربي مضاد لمواجهة الأطماع الإيرانية التركية لما له من دور أساسي في الحد من نفوذ تركيا وإيران، وقال: «نرى ونتابع تحركات من دول عربية مؤثرة، كمصر والسعودية والإمارات لكبح جموح التطلعات الإيرانية التركية التي لا تأمل الخير للمنطقة، بل إنها تستغل أدوات تتلاعب بها أنقرة وطهران لتحقيق أحلامهما».

وأكد أن العقوبات الأميركية على طهران ستحدث تحولاً كبيراً في المنطقة، خاصة وأنها ستؤدي بالفعل لإضعاف أذرع إيران في المنطقة، ومنها الحوثيون في اليمن، وستجبرهم للعمل كحزب سياسي منزوع السلاح، وبالتالي سينحسر إلى حد ما الخطر الإيراني في اليمن، كما أن الوصول لتسوية وتنفيذ قطر مطالب الدول المقاطعة من شأنه تقليل قدرة تركيا على تحقيق نفوذها في اليمن.

نهش الجسد السوري
يتكرر مشهد التآمر في سوريا أيضاً، ومن الأطراف ذاتها، حيث يسيطر كلا الطرفين على أراض عربية سورية، كما يدعمان ميليشيات إرهابية تحول دون تحقيق الاستقرار في البلد العربي ويكبد الشعب السوري معاناة كبيرة.
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي عبدالعزيز الخميس، أن إيران وتركيا تنهشان الجسد السوري، فتستفرد واحدة بالشمال والأخرى بالجنوب، ولا يوجد صراع بينهما، بل اتفاقات كثيرة وتعاون وتفاعل مشهود له خلال اجتماعات ثنائية وفي اجتماعات «أستانا». وأشار إلى أن هذا تحالف الشر الإيراني التركي يبني على التغيير الديموغرافي لسوريا، فإيران تستدعي ميليشياتها، وتبني وجوداً شيعياً واسعاً، ويتم تهجير شيعة أفغان وباكستانيين وعراقيين إلى سوريا، كما سيطرت إيران على العديد من القطاعات التجارية السورية، بل واحتلت ميناء اللاذقية كي يصبح منفذاً مهماً لها على البحر المتوسط كمكافأة على وقوفها مع الرئيس السوري بشار الأسد. وفي ما يتعلق بتركيا، أشار إلى أنها تحتفل بأطماعها التاريخية في ضم شمال سوريا إليها، وتوسع من نطاقها الأمني بعيداً عن لواء الإسكندرون، لافتاً إلى أنها تأخذ في عين الاعتبار أن المطالبة التاريخية السورية بلواء الإسكندرون يجب أن تدفن عبر توسع واستيلاء على أراض أكثر، بحيث يصبح الطموح السوري استعادة هذه الأراضي فقط.

وأوضح الخميس أن هذا التحالف باقٍ وغير وقتي، في ظل بقاء أردوجان في الحكم، حيث اعتبره خادماً ذليلاً أمام المال الإيراني المنهمر عليه، وعلى ابنه بلال، والصفقات التي تمنحها إيران لهما تعد أمراً مكشوفاً، لذا لن ينتهي الاتفاق إلا بانتهاء حكم أردوجان.

وأشار إلى أن أردوجان سعيد بالعقوبات الأميركية المفروضة على نظام طهران، على عكس التوقعات، حيث إنها تمنح لتجار السوق السوداء المرتبطين بالنظام التركي، فرصاً ذهبية كي يعوضوا إيران بالبضائع ليصبحوا بوابة خلفية لها، مضيفاً أن نظام أردوجان تعوّد على التكسب من الأزمات في المنطقة.

انتهاك سيادة العراق
أما العراق، فلم تخرج من براثن الفك الإيراني حتى أتاها التركي، والذي انتهك سيادة العراق بمهاجمته شمالها بذريعة ضرب «الإرهاب الكردي». ويشير الباحث والخبير بالشؤون الكردية والعراقية كفاح محمود، إلى أن النظامين الإيراني والتركي يتفقان دائماً في مواقفهما ضد الشعب العراقي وبالأخص الأكراد، واتضح ذلك من خلال موقفهما المتطرف من استفتاء الانفصال عام 2017 ومعاداتهما للإقليم وشعبه، رغم الصراع التاريخي الحاد بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية وامتداداتهما في دولتي تركيا وإيران.

وذكر محمود أن هذا التحالف مؤقت، نظراً لأنه امتداد لثقافة عدم قبول الآخر لدى الطرفين منذ عهد الإمبراطوريتين، وأنها نزعة الاحتواء والهيمنة وإذابة المكونات المختلفة في بوتقتيهما، مشيراً إلى أن الإيرانيين يعتبرون الكرد جزءاً من القومية الفارسية، بينما تعتبرهم تركيا «أتراك الجبال»، مضيفاً أن الولايات المتحدة هي القادرة على تغيير خارطة الصراعات وكسر هذا التحالف وإنهاء الهيمنة أو إيقافها، سواء الإيرانية أو التركية. وأوضح الباحث والخبير بالشؤون الكردية والتركية أن الإشكاليات في هذا التحالف عميقة، وأخذت أطراً متعددة أهمها الإشكال المذهبي، وتهافتهما باحتواء أتباع المذهبين في العالم بشتى الأساليب والألاعيب، بالإضافة إلى صراعهما الخفي على مناطق النفوذ وينابيع الطاقة السائلة (النفط)، لافتاً إلى أن أهم تداعيات «التدخل الجراحي الأميركي» هو تفجير الصراع بينهما.

فلسطين.. وتعزيز الانقسام
لم تكتفِ إيران وتركيا بالتربح والتجارة بورقة القضية الفلسطينية فحسب، بل وصل بهما الحال إلى تعزيز الانقسام الفلسطيني بدعمهما حركة حماس الإخوانية ضد السلطة الفلسطينية الشرعية، ليظهر دورهما التآمري مجدداً. ويؤكد خبير الشؤون الفلسطينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية محمد جمعة، أن كلا الطرفين مسؤول عن إدامة الانقسام بين الأطراف الفلسطينية، والذي قد يتحول إلى انفصال، موضحاً أن النظام الإيراني كان منفرداً في المشهد الفلسطيني منذ انقلاب حركة حماس على السلطة الفلسطينية عام 2007 وحتى 2010 عندما تدخلت أطراف أخرى، كتركيا وقطر في دعم «حماس» أيضاً، وفي توظيف واستثمار القضية الفلسطينية لمصلحتهما، كما أن ممثلي تركيا وقطر حضرا مؤتمر باريس الذي عقد عقب العدواني الإسرائيلي عام 2014، وحاولا إضرام صفقة تتعلق بغزة مع «حماس» بعيداً عن السلطة في محاولة لتأكيد الانقسام. وأشار جمعة إلى أن التنسيق الإيراني-التركي في عدة ملفات بالإقليم العربي، بالإضافة إلى الأطماع المشتركة تجاه الأراضي العربية، واصفاً التحالف بينهما في الملف الفلسطيني بـ«التحالف المرن».

وأضاف جمعة أن الرئيس التركي أردوجان أصبح محل شك وريبة لدى الأميركيين والأوروبيين، وذلك بسبب رؤاه المتطرفة وسياساته الانتهازية، رغم محاولة تركيا إيصال رسالة أنها تتبع نهجاً براغماتياً بشكل واضح، وليس لديها مصلحة في ضرب النظام الإيراني أو إضعافه. كما أشار إلى أن النظامين التركي والإيراني يسعيان بقوة لإضعاف المحور الذي يضم الإمارات والسعودية ومصر، مستشهداً بمناكفة تركيا لهذا المحور في الملف السوداني.

نهب وتقسيم ليبيا
وفي الساحة الليبية المكتظة بالقلاقل وعدم الاستقرار، يتراءى للمتابع أن الأزمة الليبية هي بفعل ليبي بحت، ولا شأن لقوى خارجية بها إلا أن الوقائع بيّنت عكس ذلك. فخيوط التآمر وصلت حتى ليبيا بهدف زعزعتها وضرب استقرار في محاولة لتكرار مشاهد سوريا واليمن والعراق وفلسطين، وتجمعها هنا أيضاً ورقة جماعة الإخوان الإرهابية. ويؤكد الكاتب والخبير بالشؤون الليبية عبدالسلام حتيتة، أن الدور الإيراني والتركي في ليبيا يسهم في استمرار الفوضى والتخريب. بالرغم من عدم وجود «تحالف إيراني/‏‏ تركي» مباشر، إلا أن الطرف الذي تتعاون معه كل من إيران وتركيا في ليبيا هو طرف واحد ومعروف لكل منهما، وهو جماعة الإخوان الإرهابية، مضيفاً أن تركيا على علم بالخدمات التي تقدمها قيادات ليبية إخوانية للإيرانيين، حيث إن معظم عمليات التنسيق لدخول عناصر استخباراتية إيرانية إلى ليبيا والتحرك داخلها، والخروج منها، تجري عبر اجتماعات تشرف عليها قيادات إخوانية ليبية تتحرك بين تركيا وقطر وفي بعض الأحيان تزور إيران أيضا، كما أن معظم القيادات الإخوانية الليبية لديها عمليات تنسيق عليا مع المتنفذين في تركيا، سواء في الحكومة أو إدارة الرئيس التركي، أو جهاز المخابرات التركي.

وأضاف أن علاقة الأتراك بالإيرانيين في ليبيا اتسمت بمبدأ «غض البصر»، طالما أن النشاط الإيراني لم يصطدم بالطموحات التركية في ليبيا. واستشهد حتيتة بحادثة تدل على مدى التنسيق بين بينهما، حيث ذكر أنه في شهر يونيو من عام 2018 وصل ثلاثة ضباط من الحرس الثوري الإيراني إلى مدينة مصراتة الليبية التي تضم المقر الرئيس لحزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان الإرهابية في ليبيا، وكان هؤلاء الثلاثة يسعون إلى وضع أرضية لتمويل وتدريب مجموعات مسلحة تضم عناصر ليبية وغير ليبية، وتدين بالولاء لجماعة الإخوان، وتتكون من عناصر من حركة حماس، ومن حركة أنصار بيت المقدس في سيناء، ومن أنصار الشريعة في بنغازي، وفتحت قيادات إخوانية في مصراتة الطريق أمام الوفد الإيراني، وأخذته في جولة في مدينة تاورغاء المهجورة والمجاورة لمصراتة، والتي تم طرد سكانها منها في 2011 بسبب موقفها المناصر لنظام معمر القذافي، واشتراكها في محاولة إخماد الانتفاضة المسلحة ضد نظام القذافي في مصراتة آنذاك.

وأكمل حتيتة حديثه قائلاً: «في الوقت ذاته كان الأتراك كذلك يخططون للاستحواذ على أراضي تاورغاء بحجة مماثلة، وهي تدريب الجماعات المسلحة الموالية لجماعة الإخوان أيضا، كان الإيرانيون يريدون الحصول على معسكر معروف باسم (معسكر البقر) في تاورغاء، إلا أن الأتراك اعترضوا على ذلك، ولا توجد معلومات تفصيلية عن الطريقة التي لجأت بها تركيا لإعادة تنسيق التموضع الإيراني في ليبيا، إلا أن تتبع التحقيقات الأمنية والقضائية في طرابلس، يبين أن نشاط الإيرانيين تراجع في معسكرات تاورغاء، وازداد في بلدتي زوارة والزاوية على ساحل البحر في غرب طرابلس، وبدأ الإيرانيون في التحرك في هاتين البلدتين اللتين ينتمي إليهما قادة معروفون في جماعة الإخوان الإرهابية بليبيا، ومن بينهم من يشغل مواقع رسمية في الدولة، ولا أحد يعرف ماذا جرى في الخفاء على وجه التحديد، لكن ما أمكن الوصول إليه أن الإيرانيين أداروا من فيلا في ضاحية قرقارش في العاصمة الليبية حراكاً تمهيدياً لهم، بمعاونة من تنظيم الإخوان، وصمت من تركيا. وظهر التحرك الإيراني بشكل لافت من خلال شركة ليبية تابعة لجماعة الإخوان مختصة بـ(الأزياء الإسلامية وأدوات التجميل النسائية)». وأشار حتيتة إلى أن سياسة «غض الطرف» التركي عن النشاط الإيراني في ليبيا ترتبط إلى حد كبير بتحقيق كل طرف لمصلحته، حيث إن التعاون بين الطرفين والذي يتم عبر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية، مرهون بقدرة كل من تركيا وإيران على تحقيق مصالحها دون أن تقترب من مصالح الطرف الآخر، لافتاً إلى أن العامل المشترك بين إيران وتركيا هو البحث عن موضع قدم في ليبيا، ومن ثم إلى داخل القارة الأفريقية، مرجحاً أن الجماعات المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان الإرهابية تفتح الطريق للوجود التركي والإيراني من ليبيا إلى داخل القارة، حيث استشهد بالطموحات الإيرانية بالتواجد في رواندا، وإحياء المذهب الشيعي هناك يجري بالتزامن مع جهود تركية لإيجاد موضع قدم عسكري في هذه الدولة الأفريقية نفسها، وغرف العمليات لمثل هذه التحركات موجودة في ليبيا.

وذكر الكاتب والخبير بالشؤون الليبية أنه ورغم فرض الولايات المتحدة للعقوبات على إيران، إلا أن بعض الدول الغربية تبدو غير جادة في ضرب النشاط التركي والإيراني، والذي يعتمد بشكل أساسي على الجماعات المتطرفة في ليبيا، مشيراً إلى أن تعزيز قوة الجماعات المتطرفة في ليبيا يصب بشكل مباشر في تقوية النفوذ الإيراني والتركي. ولم تتخذ هذه الدول، ومنها الدول الأوروبية إجراءات عملية لمنع تدفق المساعدات العسكرية ونقل الأسلحة والمقاتلين ليس من تركيا فقط، ولكن من إيران أيضاً. لافتاً إلى أن السفينة الإيرانية التي رست في ميناء مصراتة في أبريل الماضي وصلت من سواحل دول أوربية في البحر المتوسط، دون أن تتعرض للتفتيش أو الاعتراض رغم أنها تتبع شركة مسجلة على لائحة العقوبات الأميركية. وأكد عبدالسلام حتيتة أن جماعة الإخوان الإرهابية هي العامل المشترك بين تركيا وإيران، مستذكراً بقيام «الإخوان» بتلطيف الأجواء أثناء الخلاف التركي الإيراني حول تخصيص معسكرات تدريب للمتطرفين في تاورغاء، حيث أقنعوا الإيرانيين بتغيير الأهداف من شرق طرابلس إلى غربها، لمنع الاحتكاك بين الأتراك والإيرانيين، لافتاً إلى أن هذا النشاط يصب في نهاية المطاف في مصلحة «الإخوان»، لكن وضمن خطة تبادل المصالح، فإن تركيا وإيران تقتاتان أيضاً على ما يوفره تنظيم الإخوان الإرهابي من إمكانيات وعلاقات متشعبة خاصة في المناطق الحيوية، مثل الموانئ البحرية والمطارات الجوية والتركيبة الاجتماعية والقبلية، وشبكة الإخوان المعقدة داخل منظومة جوازات السفر الليبية وداخل المصرف المركزي الليبي ومع الجماعات المتطرفة الأخرى عبر المنطقة. وأضاف أن النيابة في طرابلس لديها ملفات عن وجود أذرع إيرانية وتركية وراء عدة خلايا تم ضبطها في ليبيا، منها خلية «الأشقر والبرش» الإرهابية متعددة الجنسيات، وتم صرف ملايين الدولارات بواسطة جماعة الإخوان لهذه الخلية، واستخراج جوازات سفر ليبية لغير الليبيين فيها.

إيران والنووي الليبي
كشف عبدالسلام حتيتة أنه في ظل غياب الدولة في ليبيا، تصدى أحد القيادات المنشقة عن الإخوان، بمجموعته المسلحة، للنشاط الإيراني خاصة في بلدة الزاوية التي ينتمي إليها هذا القيادي الذي كان يعيش في الولايات المتحدة قبل عام 2011. وبعد فشل الإيرانيين في تحقيق نتائج ذات جدوى في مصراتة، أو تاروغاء، أو زوارة، أو الزاوية، ظهر نشاط لبعض رجال الحرس الثوري الإيراني في أقصى الجنوب الليبي الذي كان يوجد فيه مخزون معمر القذافي من مادة اليورانيوم المعروفة بسم «الكعكة الصفراء».

وقال: تعرض اثنان من رجال الحرس الثوري الإيراني للقتل في ظروف غامضة أثناء وجودهما في الجنوب في صيف عام 2018. ثم تسربت بعد ذلك معلومات تفصيلية عن اجتماعات الإيرانيين في ليبيا مع قيادات من جماعة الإخوان، سواء في مصراتة أو في طرابلس. وفي معظم الأوقات يظهر نشاط الإيرانيين والأتراك بشكل واضح في المواقع التي توجد فيها سيطرة لتنظيم جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية التي تدور في فلكه أو يتعاون معها، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وغيرهما من التنظيمات المماثلة في ليبيا.

وأضاف: أعتقد أن تسرب المعلومات لدول معنية بالنشاط الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، دفع الإيرانيين إلى محاولة التقليل من الظهور في الفترة الأخيرة على الساحة الليبية. وعلى سبيل المثال ما زال التنظيم الدولي للإخوان، بمن فيه من قيادات ليبية، يحقق في الجهة التي تمكنت من الاستيلاء على وثائق تخص نشاط الإيرانيين في ليبيا. ومضى قائلاً: لقد اختفت هذه الوثائق أثناء محاولة إخراجها خارج ليبيا العام الماضي، كانت الوثائق مخزنة في أحد مكاتب دار الإفتاء في مصراتة. وفوجئت جماعة الإخوان باختفاء محاضر الاجتماعات مع الإيرانيين بكل ما فيها من تفاصيل. ومن بين هذه التفاصيل ما يخص نقل جزء من اليورانيوم من جنوب ليبيا إلى إيران، حيث شاركت مركب تحمل اسم «شمس الأصيل» ومملوكة لأحد قيادات جماعة الإخوان الليبية في نقل شحنة اليورانيوم من ميناء مصراتة إلى سفينة إيرانية كانت في عرض البحر المتوسط.

كان آخر رصد لمركب «شمس الأصيل» على السواحل الغربية لطرابلس، لكن يعتقد أنه تم التخلص منها بالبيع في بلدة زوارة لاستخدامها كمركب صيد. وعاد النشاط الإيراني من جديد مع مطلع عام 2019 وهو كالعادة يسير بشكل متواز مع النشاط التركي، والعامل المشترك هو جماعة الإخوان الليبية، لكن هذه المرة لم يعد الأمر يقتصر على العمل داخل ليبيا فقط، لكنه امتد إلى التنسيق للتعاون في بضعة بلدان أفريقية انطلاقاً من ليبيا.

معظم الاجتماعات التي جرت من هذا النوع تمت في مقرات تابعة لجماعة الإخوان في مصراتة، لكن مرة أخرى تبدو العيون الغربية التي تراقب كل شيء في ليبيا مخيفة لهؤلاء الشركاء. مثلاً يوجد حالياً تنسيق رفيع المستوى تقوم به جماعة الإخوان الليبية مع كل من الأتراك والإيرانيين من أجل التوسع في العمل في أفريقيا، وكان هناك اجتماع في 24 أبريل 2019 بين شخصيتين من الحرس الثوري الإيراني، وقيادات من جماعة الإخوان في مصراتة. وهي الاجتماعات التي تزامنت مع وصول سفينة شحن إيرانية إلى ميناء مصراتة. وهي سفينة مملوكة لشركة إيرانية مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، ويعتقد أن السفينة التركية كانت محملة بشحنة من أسلحة القنص الإيرانية الصنع، وهو نوع من الأسلحة الروسية المعدلة في مصانع الحرس الثوري الإيراني.
وقال إن أحد الشخصيات الإخوانية الليبية ممن يقيمون معظم الوقت في تركيا، ويدعى «غويلة»، ظهر اسمه لدى الأجهزة الأمنية في طرابلس، حيث كان في الاجتماعات الإيرانية في مصراتة، وكان من قبل من بين القائمين على تحريك شحنة اليورانيوم على مركب «شمس الأصيل».
"الاتحاد" الإماراتية​