حرب الدرونز.. المقاربة الحوثية لتوظيف السلاح «غير التقليدي» في الصراع اليمني

أحمد عليبة

حرب الدرونز.. المقاربة الحوثية لتوظيف السلاح «غير التقليدي» في الصراع اليمني
حرب الدرونز.. المقاربة الحوثية لتوظيف السلاح «غير التقليدي» في الصراع اليمني
كثّفت ميليشيا الحوثي منذ مطلع العام الجاري هجماتها على الساحتين الداخلية والخارجية باستخدام الطائرات دون طيار (الدرونز) في مقابل تراجع هجماتها بالصواريخ الباليستية. ويأتي هذا التطور التكتيكي مواكبًا لأجواء التوتر الإقليمي الذي تشهده منطقة الخليج في إطار التصعيد الإيراني-الأمريكي. من جهة أخرى، هناك ارتفاع ملحوظ في مستوى التصعيد على الجبهة الداخلية في ظل تعثر مسار ستوكهولم للتسوية بين الحوثيين والحكومة الشرعية، وهو ما يعكس طبيعة الدور الذي تمارسه الميليشيا الحوثية كلاعب متعدد الأدوار إقليميًّا ومحليًّا، كما يعكس مؤشرًا آخر على المدى الذي وصل إليه الصراع في اليمن من تعقيد.

وتعتمد الميليشيا الحوثية -في هذا الإطار- على تعزيز مقاربتها الاستراتيجية تجاه الصراع اليمني من خلال التأثير في معادلاته بزيادة عوامل القوة غير التقليدية ضمن موازين القوى في الصراع. وعلى الرغم من المبالغات الدعائية في قدراتها على تطوير منظومات التسلح غير التقليدي؛ إلا أن التطور المتدرج لهذه المنظومات يعكس العديد من الدلالات، لا سيما مدى قدرتها على استيعاب خبرات منظومة الوكلاء الإيرانيين في الإقليم، إضافة إلى رغبتها في الاستمرار في إشعال الصراع في اليمن كضمانة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في معادلات ذلك الصراع.

مقاربة ميزان القوة في الصراع اليمني
منذ انقلابها على الحكومة الشرعية في البلاد في 21 سبتمبر 2014، سعت الميليشيا الحوثية إلى فرض معادلة مختلفة لموازين القوى في اليمن تعتمد على بناء منظومة تسلح غير تقليدية، وهو ما يفسر لجوء الميليشيا إلى بناء قدرات عسكرية “غير تقليدية” مستقلة، وإهمالها لتركة التسلح التابعة للرئيس السابق علي عبدالله صالح التي استحوذت عليها خلال مرحلة تحالفهما (2014 - 2017). وفي هذا السياق، تعتمد المقاربة الاستراتيجية للميزان العسكري الشامل للميليشيا الحوثية على التشابه الذي يكاد يصل إلى حد التطابق أحيانًا مع موازين القوى المناظرة للوكلاء الإقليميين المنضوين تحت مظلة الحرس الثوري الإيراني ضمن استراتيجية طهران للاستمرار في تعزيز بناء قدرات “جيوش لا متماثلة” من وكلائها الإقليميين تتميز بخصائص متطابقة على مستويات البنية، والقدرات، والإمكانيات، والعقيدة العسكرية ذات البعد الأيديولوجي القائم على المرجعية المذهبية بما يضمن تحقيق أهداف السياسة الخارجية في الإقليم.

وفي إطار تعميم القدرات والخبرات الإيرانية على الوكلاء، جرى إمداد الميليشيا الحوثية في اليمن بالقدرات والخبرات الخاصة بمشروع الطائرات بدون طيار الإيرانية ضمن قائمة أوسع من أنماط التسلح غير التقليدي من الصواريخ و “الدرونز” والألغام الأرضية والبحرية والزوارق المفخخة والمتفجرات المموهة، حيث أظهرت تقارير لتحقيقات أجرتها الأمم المتحدة ومراكز دراسات متخصصة وحدة المصدر لدى كافة الوكلاء من خلال التطابق والتسلسل الرقمي للأنواع المختلفة من تلك الأسلحة التي يقتنيها الوكلاء الإيرانيون في الإقليم.

ويؤكد على هذه المقاربة ما كشف عنه تقرير مركز بحوث تسلح الصراعات Conflict Armament Research في فبراير 2017 عندما قام المركز بتحليل مجسم لطائرة بدون طيار ضمن 6 نسخ أسقطتها دفاعات التحالف في مأرب، و7 أخرى سقطت في عدن، وانتهى إلى ما يلي:
1 - التسلسل الرقمي: حيث تأخذ الطائرات نفس التسلسل الحرفي والرقمي. فعلى سبيل المثال، أظهر تسلسل الطائرات التي جُمعت في مأرب تسلسلًا يبدأ بأرقام 22، ثم تختلف باقي الأرقام بتسلسل متقارب، وأن هناك نسختين إحداهما أخذت تسلسل A والثانية أخذت تسلسل B، قد تعتبر واحدة منها هجومية ويطلق عليها “قاصف”، والأخرى استطلاعية رغم أن الميليشيا تطلق عليها أسماء متعددة مثل “هدهد” و “راصد” و “رقيب”، وهي مناورة منها للإشارة إلى أنها تمتلك أكثر من نوع.
2 - آلية التجميع: ذلك أن المطالعة الدقيقة للتقارير التي فحصت أجسام الطائرات التي تم إرسالها إلى المركز في لندن يكشف عن أن قطع تلك الطائرات تُكتب عليها عبارات ورموز متشابهة بخط اليد، بحيث لا تكون هناك صعوبة في عملية تجميعها التي تتم في اليمن.
3 - المناظرة الميدانية: حيث تتطابق النسخة التي تم الحصول عليها من عدن تحديدًا مع نسخة سبق وأعلن عنها تنظيم “داعش” في العراق حصل عليها في إحدى معاركه مع الحشد الشعبي، وهذه النسخة يطلق عليها “أبابيل– T”، وهو ما يشير إلى أن المصدر واحد.
4 - المناظرة الفنية: حيث كشف التقرير أيضًا أن البصمة في أفكار الدوائر الكهربائية وغيرها من التقنيات المركبة، وهي صينية المنشأ بالأساس، تحصل عليها إيران وتستخدمها في تلك الصناعة ما يؤكد فكرة المصنع الواحد مهما تعددت النوعيات.
إشكاليات التطور
يعكس المسار العملياتي لاستخدام الميليشيا الحوثية للطائرات بدون طيار تطور خبراتها الميدانية مرحليًّا في استخدامها كسلاح هجومي منذ اعتمادها كسلاح ضمن منظومتها العسكرية تحت مسمى “سلاح الجو المسير”، أكثر مما يمكن تفسيره لصالح تطوير قدراتها الفنية بشكل فارق يعكس تطورًا جيليًّا، وذلك على الرغم من تسويق منصاتها الدعائية حاليًّا قيامها بمشروع تطوير القدرات وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:
1 - على المستوى الميداني: يمكن التمييز بين مرحلتين، الأولى امتدت خلال الفترة (2016 - 2018)، وشرعت خلالها الميليشيا الحوثية في استخدام الدرونز بعد عام تقريبًا على بدء عمليات “عاصفة الحزم” (مارس 2015). لكن كثيرًا من تلك المحاولات باءت بالفشل خلال عام 2016 عندما حاولت الميليشيا استخدامها لقصف مطار عدن جنوبي البلاد بطائرة (قاصف- 1)، أو محاولات استهداف مقر قيادة عمليات التحالف والجيش الوطني في مأرب عندما اعترضت قوة من الحرس الرئاسي مركبة كانت تحمل طائرات غير مكتملة التركيب. وكانت تقارير الخبراء، وعلى الأرجح أيضًا تقديرات قيادة التحالف، تهون من شأن استخدام تلك الأنواع من الدرونز نظرًا لمحدودية الإمكانيات والآثار. وفي المقابل، كانت الميليشيا تهول وتبالغ دعائيًّا في تلك المرحلة باعتبارها أصبحت تمتلك سلاحًا قادرًا على تغيير معادلة الصراع لصالحها.

في المرحلة التالية، التي بدأت بالتزامن مع إطلاق عمليات تحرير الساحل الغربي، وتحديدًا خلال معركة تحرير “المخا”، أخذت محاولات استخدام الميليشيا للدورنز المفخخة في عمليات هجومية على قوات التحالف والجيش الوطني تلفت الانتباه. وسجلت أول عملية استهداف لها في يناير 2017 عندما كانت مجموعة تابعة للميليشيا تستعد لإطلاقها من فوق إحدى المركبات لاستهداف قوات الجيش والتحالف، وجرى اعتراضها بشكل سريع بصاروخ مضاد جو-أرض. ثم بدأت في استخدامها في عمليات خارجية لاستهداف مواقع استراتيجية غير عسكرية، مثل محاولات استهداف مصافي نفط وموانئ ومطارات بدءًا من أبريل 2018، لكنها لم تكن تمثل تحولًا نوعيًّا يمكن رصده خلال تلك المرحلة.

لكن خلال المرحلة الحالية، التي بدأت منذ مطلع العام الجاري، شهدت عمليات نوعية، مثل الهجوم على العرض العسكري في قاعدة العند الجوية في لحج، واستهدفت عرضًا آخر في معسكر رأس عباس غربي عدن في يوليو 2019، بالإضافة إلى استهداف مرافق حيوية في السعودية خلال شهر مايو، لا سيما الهجوم على محطة أرامكو.
2 - على المستوى الفني: تُطلق الميليشيا الحوثية عدة تسميات على الطائرات التي لديها. ففي المرحلة الأولى تنوعت ما بين: راصد، ورقيب، وقاصف. وفي المرحلة التالية استخدمت أسماء “صماد 2”، و“صماد 3” على الطائرات التي تستخدمها في الهجمات التي أعقبت عملية اغتيال “صالح الصماد” رئيس المكتب السياسي الأعلى للميليشيا في أبريل 2018، وهو التاريخ السابق الإشارة إليه في بدء استخدامها في عملياتها خارج الحدود، ما يشير إلى تغير في الاسم فقط دون أن يواكب ذلك تحسن في القدرات الفنية، وهو ما تؤكده عدة مؤشرات، منها على سبيل المثال:

أ - محاولة الميليشيا الحوثية في يناير 2017 استهداف منظومات صواريخ MIM104 -باتريوت أرض جو- في مواقع عسكرية داخل المملكة. ووفقًا لتقرير بعنوان Iranian Technology Transfers to Yemen لمركز “بحوث تسلح الصراعات” CAR كان الهدف هو الاصطدام بأجهزة الرادار الخاصة بالمنظومة، مستعينة في ذلك بإحداثيات نظام تحديد المواقع المفتوحة المصدر الخاصة بمواقع نظام الرادار والتي تتم برمجتها في الطائرات بدون طيار، وهي نفس المحاولة التي قامت بها في مايو 2019 لاستهداف منظومة باتريوت في قاعدة نجران العسكرية، وتم اعتراضها من جانب الدفاعات السعودية وفق ما أعلنت عنه قيادة التحالف، وبالتالي لا يوجد مؤشر على تقدم نوعي في قدراتها الفنية، لا سيما القدرة على تفادي عملية اعتراضها.

ب - بمراجعة الأداء الميداني، ووفقًا لتقارير التحالف وتقارير الأمم المتحدة، يظهر في أغلب الحالات استخدام الميليشيا الحوثية مركبات متنقلة بالقرب من الحدود أثناء عمليات الإطلاق، ما يؤكد عدم إطلاقها من مدرج طيران على النحو الذي كان مستخدمًا على سبيل المثال في قاعدة العند الجوية التي كانت تستخدمها القوات الأمريكية في اليمن أثناء الحرب على القاعدة. كما أنها نفس الطريقة المعتمدة لدى باقي الوكلاء، لا سيما في بعض الحالات في العراق، وهو ما يؤكد فرضية تطور الخبرات الميدانية في بعض الحالات التي نجحت فيها العمليات الهجومية على النحو الذي ورد في عمليتي استهداف العروض العسكرية في لحج وعدن.

ج - كذلك بالنظر إلى متابعة تطور القدرات العسكرية لدى باقي الوكلاء، لم تظهر أجيال أكثر تطورًا في القدرات عن أجيال معروفة حصلت عليها، في حين أن الإعلان على سبيل المثال عن صاروخ “بدر 3” الجديد تم لدى “سرايا القدس” (الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي) بالتزامن مع إعلان الميليشيا الحوثية عن صاروخ “بدر B”.
د - كذلك هناك تقرير متطابق تقريبًا للجنة خبراء الأمم المتحدة التي فحصت في 2018 نفس الطائرات توصل إلى صعوبة تصنيع الميليشيا الحوثية لتلك الطائرات، وأكد أنها صناعة إيرانية، وأن الطائرة «قاصف- 1» يمكنها نقل 45 كلجم من الرؤوس الحربية وتطير إلى مدى 150 كم.

هـ - في يونيو 2017 أسقطت طائرة أمريكية من طراز F-15E طائرتين إيرانيتين في سوريا، وكشف تقرير الفحص أنها تتشابه مع طائرات تم فحصها أيضًا بعد اعتراضها في منطقة مضيق هرمز، ويتم تشغيلها من قوارب صغيرة، غالبًا ما تطير بدون إضاءة أو أجهزة إرسال واستقبال فعالة مما يجعل استخدامها يُشكل تهديدًا لحركة المرور الجوي في منطقة المضيق المزدحمة.
و - المعلومات التي كشف عنها مصدر عسكري حوثي في بيان تم تعميمه على وسائل الإعلام ومنصات الميليشيا كشف عن أن الطائرة المطورة “صماد 3” يبلغ مداها أكثر من 1000 كم، وهو أمر غير منطقي بالنظر إلى القفزة الهائلة في المدى بينها وبين الطائرة السابقة عليها التي لا يزيد مداها عن 150 كم، فضلًا عن حمولة رأس حربي في حدود 45 كم، في حين يصل وزنها إلى 50 كلجم، وهي مقاييس بأكملها غير منطقية.

ز - من المحتمل في أفضل التصورات أن تكون طهران قد طورت الجيروسكوبات الخاصة بالطائرات دون طيار، وبالتالي فالأمر يظل مقصورًا من هذه الزاوية على تحسين عامل التوجيه الدقيق والتحكم في الطائرات عن بعد. كذلك، هناك تقارير فنية، ومنها تقرير لمجموعة Navanti بعنوان Unconventional Houthi War Tactics، يُشير إلى احتمالات أخرى في التعديلات التي جرت محليًّا على طائرات بدون طيار تتعلق بالشريط الكهربائي وبطاريات AA، وهو ما يجعل الميليشيا تروج لأنها قامت بإنتاجها محليًّا.

دلالات كاشفة
التطورات السابقة تعكس عددًا من الدلالات المهمة بالنسبة للصراع في اليمن، أبرزها ما يلي:
1 - تعقيد الصراع: تفرض معايير هذا النمط من التسلح تحديات على مستقبل الصراع والمفاوضات الخاصة بالشق غير المعلن من الأسلحة، ما يضفي مزيدًا من التعقيدات على حالة الصراع في اليمن، ومستقبل التسوية في الوقت نفسه. فعبر جولات المفاوضات العديدة في عمان والكويت كان البند الأساسي فيما يتعلق بالشق العسكري في التفاوض هو تسليم الأسلحة الثقيلة، من الصواريخ والمعدات والمركبات والآليات التي حصلت عليها الميليشيا من الجيش خلال تحالفها مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح. وجزء من هذه التركة غير واضح في إطار الملابسات المعقدة لعملية الانقسام التي شهدها الجيش. وبالتالي تظل هناك حاجة إلى تصور في هذا الشأن في ضوء صعوبات الحصر والسيطرة والكشف عن مخزون وأنماط تلك القدرات.

2 - المزج بين الدرونز والصواريخ: تكشف التطورات الميدانية عن التوسع في استخدام الدرونز مقارنة بالمراحل السابقة في الصراع، لكنها لم تحد من استخدام الصواريخ على مدار الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري. فحسب بيانات التحالف، تم اعتراض أغلب الصواريخ والعديد من الطائرات المسيرة، لكن بعضها تمكن من إصابة أهدافه في الداخل والخارج.
وقد تم إطلاق صاروخ باليستي في 23 مايو في أعقاب إطلاق طائرة دون طيار، وكان الهدف وفقًا لتحليل مركز “بحوث تسلح الصراع” CAR تدمير أنظمة الرادار باستخدام الطائرات بدون طيار ما يسمح بعدها بإطلاق وابل من الصواريخ، وهي نفس المحاولة التي أقدمت عليها الميليشيا عام 2017 بهدف تخريب نظام الرادار باتريوت، حيث يقوم جهاز VEO في الطائرة المحملة بالمتفجرات باختراق منظومة الرادار مما يؤدي إلى تعطيلها ثم المتابعة بقصف صاروخي بعد عملية التعطيل.

هناك العديد من المؤشرات التي تكشف أسباب التوسع في استخدام الميليشيا الحوثية لتك الطائرات، ومنها على سبيل المثال:
1 - التكلفة الأقل: حيث تشكل الحسابات الاقتصادية في الحروب أحد أبعاد استخدام البدائل التكنولوجية الرخيصة والمتاحة، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تتعرض لها الميليشيا مع طول أمد المعارك. ووفق العديد من التقارير يتراوح متوسط تكلفة الطائرة بين 1000 - 5000 دولار، في حين أن تكلفة الصواريخ الباليستية لدى الميليشيا قد تصل إلى مليون دولار بحسب تقدير “مقاومة انتشار الصواريخ الإيرانية في اليمن” Countering Iran’s Missile Proliferation in Yemen الصادر عن “معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى”، وبالتالي هناك فارق هائل في التكلفة. وعلى الرغم من ذلك فإن الميليشيا لم تتخلَّ عن الهجمات الصاروخية، حيث يشير التقرير ذاته إلى أن صواريخ “باتريوت” التي تكلف بين 2 - 3 ملايين دولار ستعترض الصاروخ الحوثي الذي يكلف مليون دولار كحد أقصى. ولا توجد تقديرات مؤكدة حول حجم ترسانة الحوثي من الصواريخ.

2 - المناورة السياسية: سعت الميليشيا الحوثية لاستخدام الدرونز في الهجمات على الإمارات والسعودية خلال شهر مايو الماضي، والذي شهد تزايد حالة الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج، بهدف التركيز على فكرة الفصل في المسئولية بين إيران والحركة الحوثية في ضوء إعلان مسئولي الإدارة الأمريكية عن تحميل إيران مسئولية وكلائها. ومن المرجّح أن الحركة عملت على التركيز على فكرة الاستقلالية، وأنها تخوض معركة مع دول التحالف بغض النظر عن الموقف الإيراني، وذلك على الرغم من اعتراف مسئولين إيرانيين بأنهم وراء دعم الميليشيا الحوثية بتلك القدرات.

3 - سهولة التهريب: من المتصور أن عمليات تهريب طائرات دون طيار مفككة قد يبدو أسهل من تهريب صواريخ باليستية بالنظر إلى الأحجام، كذلك ربما تكون أسهل من حيث التركيب، وهو ما أظهرته التقارير.
4 - صعوبات الاعتراض: وهو ما يتضح من خلال الطائرات التي كانت تستخدم للرصد، حيث تم استبدال أجنحتها المعدنية بأخرى خشبية حتى تتمكن من التخفي وعدم الرصد. كما تظهر عمليات الاعتراض في تلك الحالات أن رصد الطائرة جرى بالعين المجردة والتعامل معها كجسم طائر غريب وباستخدام مضادات أرضية وبأسلحة متوسطة تم إسقاطها على مسافات منخفضة، لكن من المؤكد أن تعامل منظومات الدفاعات التقليدية مع الدرونز يشكل تحديًا وكلفة في الوقت نفسه. وفي الحالة السورية، على سبيل المثال، تم التعامل مع تهديد الطائرات دون طيار باستخدام منظومة “بانتسير - إس 1 إم” التي تعمل على مديات قصيرة ومنخفضة بعد هجمات عديدة تعرضت لها قاعدة حميميم الجوية الروسية. كما خضعت المنظومة لتعديلات عديدة للتعامل مع تلك الأهداف وفقًا لنائب مدير شركة “الأنظمة العالية الدقة” الروسية “سيرجي ميخائيلوف”.

ويُشير تقرير لصحيفة “إزفيستيا” الروسية في فبراير 2017 إلى أن الإمارات حصلت على منظومة “بانتسير - إس” التي صنعتها شركة KBP الروسية خصيصًا لها، وسبق لتلك المنظومة أن أظهرت قدراتها في اليمن، حيث أسقطت بضعة صواريخ باليستية. وحسب الخبراء الروس فالمنظومة تشكل نسقًا أخيرًا في النظام الإماراتي للدرع الصاروخية والدفاع الجوي.

الخلاصة
تعتقد الميليشيا الحوثية أن الاستثمار في تعزيز بناء قدرات التسلح غير التقليدي قادر على جعل ميزان القوى في صراع لا متماثل يميل لصالحها، فاستخدام المزيد منها قادر على إشعال الجبهتين الإقليمية والداخلية بما يؤمن لها معادلة الصراع المثالية التي يتنامى فيها نفوذها كما يشكل تحديًا لخصومها، سواء من خلال استنزاف قدراتهم أو رفع مستوى تهديدهم. وبناء عليه، من المتصور أن الميليشيا الحوثية ستستمر في تكثيف استخدمات الطائرات دون طيار نظرًا لما تحققه من أهداف مزدوجة في الصراع اليمني، بما ينسجم مع كون الميليشيا أحد الوكلاء الإيرانيين من جهة، وحركة تمرد ضد الشرعية في اليمن، الأمر الذي يتوقع معه إضفاء مزيد من التعقيدات على الصراع اليمني ويقوض أفق التسوية المتعثرة، كما سيضفي عليها في المستقبل مزيدًا من التعقيدات في التعامل مع ترسانة واسعة من الأسلحة غير التقليدية، وهو موقف لا يزال غير مسبوق في حالات التسوية المعروفة.

كذلك، في المقابل هناك قدرة لدى التحالف على التعامل مع التهديدات اللا متماثلة، لكن استمرار خوض معارك من هذا النوع دون استراتيجية ردع فعال إضافة إلى تحديات حسم الصراع عسكريًّا، سيُبقي كلفة الاستمرار في هذه الحرب على هذا المستوى طويلة ومكلفة وربما دون أفق مختلف.

“المركز المصري للدراسات”​