الوحدة اليمنية بعد حرب 1994.. إيجار ومتاجرة

د. مروان هائل عبدالمولى

اليمن اليوم منطقة رئيسية ساخنة تتداخل فيها مصالح كثير من الدول، وفي الواقع هي سوريا مصغرة، وقد أدت الانقسامات والاتفاقيات الهشة الداخلية والخارجية والاقتصاد الضعيف والخلافات القائمة منذ أمد طويل بين النخب السياسية والقبلية والعسكرية إلى نشوء نزاعات وحالات تمرد مسلحة مختلفة، ولكن الانقسام الحقيقي والمدمر في الدولة اليمنية ومجتمعها تفاقم منذ اللحظة الأولى، التي اندلعت فيها الحرب الغادرة لعفاش والإصلاح على الجنوب عام 1994، والتي بدأت بعدها الجمهورية اليمنية بالسير نحو الهاوية وجرت عدة محاولات لإعادة الوحدة للنسيج المجتمعي بين الشمال والجنوب، وكل تلك المحاولات باءت بالفشل، بعدها برزت لدى عفاش فكرة الاستفادة إلى الحد الأقصى من هذا الوضع الجديد، وذلك باستخدام اسم الوحدة للمتاجرة والاسترزاق داخليا وخارجيا، لأنه كان يعلم أن أبناء الجنوب لن يسلموا بالأمر الواقع، ولن يستسلموا، وسوف يستعيدوا دولتهم والمسألة في الوقت فقط.

خارجيا، استفاد عفاش من المساعدات الدولية الاقتصادية والمالية، التي كان يطالب بها بعد حرب 1994 باسم الجمهورية اليمنية، وهو يعلم أن الجنوب رافض لهذه الوحدة، وما كان يطلبه باسم الجمهورية اليمنية من مساعدات خارجية نصفها تذهب إلى جيبه، والنصف الآخر استخدمه فقط لإعمار وتحديث صنعاء وبنيتها التحتية، صنعاء اليوم هي مبانٍ حديثة ومستشفيات عصرية وطرق حديثة، جسور وأنفاق وشركات وشبكات صرف صحي جديدة، بينما عدن بدائية لا كهرباء ولا طرق ومجاري تسبح في كل شارع، أما المساعدات العسكرية فقد كان عفاش يطلبها عن طريق الابتزاز باسم القاعدة ومكافحة الإرهاب بعد أن هيأ الجنوب حينها وجعله ميدانا رئيسياً للتنظيمات الإرهابية، وبالتالي استطاع إظهار الجمهورية اليمنية كدولة كبيرة والخوف من سقوط هذه الدولة والممرات المائية اليمنية الدولية بيد الإرهاب، وأنه بحاجة لمساعدات عسكرية ضخمة لحماية البلاد من ذلك السقوط، وعند استلام تلك المساعدات بعضها كان يحتفظ بها لجيشه القبلي العائلي والباقي يبيعها.

داخليا، كان الزبائن الواقفون والراغبون في التأجير والمتاجرة باسم الوحدة اليمنية عند باب عفاش قبل وبعد حرب صيف 1994؛ كثيرين، وهم من آل الأحمر وشيوخ الهضبة وعساكرهم ونخبة من المثقفين السياسيين المرتزقة وتجار دين، وكذلك شريك عفاش الدائم في غزو الجنوب ودماره حزب الإصلاح (إخوان اليمن)، الحزب الذي استخدم الدين كورقة قوية للمتاجرة واللعب على عقول البسطاء، حيث قام (إخوان اليمن) مع عفاش باستخدام المتطرفين ومنابر المساجد للترويج عن الوحدة والدفاع عنها كذبا من أجل السيطرة على آبار النفط والغاز في الجنوب وعلى المنافذ الحدودية لتهريب كل شيء حتى العبايات النسائية، باع الإخوان وعفاش غاز ونفط وأسماك الجنوب بمليارات الدولارات لعدة دول، كانت البواخر الأجنبية تنقل الغاز والبترول، وأخرى تجرف الأسماك في عرض البحر، من منا لم يسمع مثلا عن الصفقات المشبوهة (بيعة السارق) الغاز إلى توتال الفرنسية، وكوغاز الكورية الجنوبية، والأسماك مع الصين، ناهيك عن عصابات الطرفين، التي تسرق وتعقد صفقات مع تجار نفط ومهربين محليين.

هناك مثل يمني يقول: "لكل طاهش ناهش"، حيث كان آخر الزبائن الراغبين وبقوة في استئجار اسم الوحدة والمتاجرة بها ويقف عند باب الهالك عفاش هو الحوثي وقبائل صعدة، وقد أجر لهم عفاش البلاد مع الكثير من الألوية العسكرية الضاربة والأسلحة بكل أنواعها، مع العلم أن الحوثي أيضا يملك جيشاً من الجهلة والمتخلفين المسلحين حتى النخاع ومشبعين بالكراهية وبالبردقان والحشيش والشمة وصرخة لا لها رأس ولا أرجل، ولكن الحوثي دفع قيمة الإيجار لعفاش مع شريك إقليمي اسمه إيران، التي أمرت الحوثيين بعد ذلك بتصفية عفاش حتى تأخذ الجمل بما حمل، وهي ذات الدولة التي ندمت على غلطة عمرها بتشجيع الحوثي على الدخول إلى أراضي الجنوب، واليوم هي وأداتها (الحوثي) ينتحرون خارج حدود الجنوب بمساعدة دول التحالف العربي، وعلى رأسهم السعودية والإمارات، بينما كالعادة ينتظر إخوان اليمن لحظة سقوط الحوثي للانقضاض على الحكم في الشمال، لأنهم يدركون أن بوابة الجنوب مغلقة بإحكام أمامهم وأمام كل من يحلم بإعادة الجنوب إلى باب اليمن.

اليوم بعد تحرير الجنوب من إرهاب الهضبة وزبائنها لا يزال هناك من بين النخب الشمالية من يحلم بمواصلة المتاجرة باسم الوحدة المقبورة تحت يافطات الأقاليم ومخرجات الحوار الوطني، من توكل كرمان في إسطنبول، مرورا بفنادق الرياض، وخالد الرويشان، وحتى الإعلامي الخبيث والمتلون عبد الناصر المودع، والسفير علي العمراني في الأردن مسئول تشويه صورة الجنوب والمجلس الانتقالي في الخارجية اليمنية، وهؤلاء وغيرهم عندما تشاهدهم على التلفاز وتشاهد (facial expressions) تعابير وجوههم و(body language) لغة الجسد تصاب بالغثيان من كذبهم ونفاقهم الواضح، الغريب أن الأبواق والمطبلين للوحدة هم من غالبية النخبة الشمالية التي تعيش خارج البلاد، وهذه النخبة ملحقة بجيش جرار من المطبلين في الداخل والخارج من أبطال مواقع التواصل الاجتماعي (بحكم الكثافة السكانية في الشمال)، والأغرب أن جميعهم يدركون أن لا أمل في العودة إلى الوحدة، ولكنهم شقاة بالأجر اليومي وبعضهم بالشهري، والمتاجرة بقضايا البلاد تجري في دمهم وبالذات باسم اليمن والوحدة.

قبل الوحدة كنا دولتين، كنا إخوة وأهل وجيران نعيش بسلام واحترام ومحبه دخلنا في وحدة رافقتها أخطاء إستراتيجية قاتلة، بسبب غياب العدل وكثرة المجازر والدماء، التي سالت من الطرفين وفشلت الوحدة، فهل نستمر في هذا الخطاء القاتل؟.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى