مخطوطة نادرة تكشف: أبو القاسم الزهراوي جراح عربي قبل 1000 عام

تقرير/ بسنت جميل

- طبيب عالج انقلاب الرحم واخترع إبرة الجراحة
تاريخ الأمة لا يزال يبوح بأسراره ويكشف عن بعضها حيناً بعد آخر، إذا ما وجد من يبحث عن هذه الأسرار وينقب عنها، ويسبر أغوارها، ليتكشف لنا أنه في حين كانت أوروبا تطحنها الحروب وتفرقها الفتن وتغرق في ظلام الجهل في العصور الوسطى، كان المسلمون في أوج مجدهم، يتخذون من العلم سبيلاً لتحقيق أهدافهم، وكانت مصر والشام وبلاد العراق والأندلس وحواضرها تستقبل العلماء من كل حدب وصوب، فقد أتاحت لهم فرصاً لنهل العلوم والمعارف من مكتباتها المهمة، ومعاملها التي كشفت مبكراً عن الكثير من أسرار العلم في مختلف مجالاته، وهى أسرار تثبت يوماً بعد الآخر أن العرب كانوا سباقين في الوصول إليها.
- اخترع المواد اللاصقة والضمادات واستخدم الخيوط الداخلية للجروح واختراعات أخرى
- اخترع المواد اللاصقة والضمادات واستخدم الخيوط الداخلية للجروح واختراعات أخرى

القاهرة كانت واحدة من أهم حواضر العلم، وقبلة للعلماء، وهو ما تكشف عنه مخطوطاتها وكنوزها التراثية التي غيرت مجرى التاريخ، وساعدت البشرية في مجال كالطب في التغلب على الأمراض والاستشفاء.
«اليوم السابع» خاضت جولة للاطلاع على واحد من هذه الكنوز، حيث ذهبنا إلى مبنى دار الكتب والوثائق القومية الذي يقع على كورنيش النيل، والتقينا بمصطفى عبدالسميع، مدير عام الإدارة العامة للمخطوطات والبرديات، الذي قام بتسهيل كل الإجراءات للاطلاع على مخطوطة نادرة تحمل عنوان «التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي «المتوفى بعد سنة 400 هـ/ 1013م»، وهو طبيب عربي مسلم عاش في الأندلس، ويعد من أعظم الجراحين الذين ظهروا في العالم الإسلامي، ووصفه الكثيرون بأبي الجراحة الحديثة، ويعرف بأنه طبيب فاضل وخبير بالأدوية المفردة والمركبة، وله تصانيف مشهورة في الطب.

ثلاثون جزءاً
ويقع كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» في 30 جزءاً، وقد ترجم مبكراً إلى اللاتينية والعبرية واللغة البروفنسية «لغة جنوب فرنسا»، ونال شهرة واسعة في البلاد الغربية.
لم ينشر هذا الكتاب بأكمله، فأول جزء ظهر منه هو الجزء الخاص بالعقاقير وقد نقل إلى اللاتينية بالبندقية سنة 1471م، ثم جزء جراحي أسند إلى جي دي شولياك، ثم الجزء الباطني وجزء أمراض النساء.

عناصر الكتاب تضم الأجزاء الثلاثين من كتاب «التصريف» وتوضح أنه موسوعة طبية حول طرق تحضير الأدوية بالتقطير والتسامي، وأهم جزء منه هو الجزء الجراحي الذى يقع في ثلاثة أجزاء.
ملامسة مخطوطة تاريخية نادرة كهذه، تحوي جزء مهماً من أسرار البشرية، تحمل معها الكثير من المشاعر المتناقضة، ما بين الرهبة والفرحة، ثم السعي لقراءة بعض سطور المخطوطة التي لم تكن سهلة، فالكلمات والجمل متداخلة إلى حد كبير، المخطوطة غير مسطرة وليس بها عناوين.

في الجزء الذى يحمل رقم (137) طب تيمور، ضمنه الزهراوي فصولاً من الأمزجة والأغذية وتركيب الأدوية وعيوناً من التشريح، وما أشبه ذلك، جعلها مدخلاً للكتاب، وفى المقالة الأولى بهذا الجزء، قال الزهراوي: "حفظ الصحة على الأصحاء، وردها على المرضى بقدر طاقة الإنسان"، ومن مقولاته أيضاً: "لا تشرع بعمل أي شيء إلا إذا كنت واثقاً أنه سيعود على المريض بنتيجة طيبة".

وأوضح الزهراوي فى المخطوطة، أن الطب ينقسم إلى علم وعمل، والعلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: علم بالأمور الطبيعية، وعلم بالأسباب، وعلم بالدلائل. وأخد كل علم على حدة حيث قال: "إن الأمور الطبيعية تنقسم إلى سبعة أقسام، الأركان والأمزجة، والأخلاط، والقوى، والأعضاء، والأفعال، والأرواح".

الفرق بين الدواء والغذاء
تضم المخطوطة فصلاً في الفوارق بين الدواء والغذاء، حيث قال الزهراوى: "أعلم أن فعل الغذاء في الأبدان بخلاف فعل الدواء، لأن الغذاء يستحيل إلى المغتذي ويتشبع به ويلبث معه وينمو من أجله، والدواء بخلاف ذلك لا يغتذى به البدن، فلا ينمو بل ينقصه، والغذاء أيضاً يمر من باطن البدن إلى ظاهره وجميع أقطاره، والدواء يجذب الأخلاط من جميع أقطار البدن إلى باطنه".

أمراض المقعدة
أمراض المقعدة اثنا عشر مرضاً، يحددها الزهراوى، وهى: استرخاؤها، وخروجها، والبواسير والنواصير، خروج الدم، خروج القيح، الوجع، الشقاق، القروح، والحكة، والديدان الصغار، والداء الخفي، وخروج البراز عند الجماع.

أمراض البواسير وعلاجها
البواسير هي الثآليل، وهي فضول تدفعها الطبيعة إلى المقعدة وإلى مخرج كل رطوبة في البدن بالأنف والأذنين وأشفار العينين والشفتين، وتكون على دربين: تكون ناتئة وهي الأولى أن تسمى بالثآليل، ومنها غائرة غير ناتئة، والناتئة تكون منها صلبة، ويكون منها رطبة على لون البدن لا يرشح منها دم ولا قيح، ويكون منها أرجوانيا تشبه الثوب في شكلها ولونها، ويكون منها مائلات إلى السواد، مترهلة، وكلاهما يرشح منها الدم والقيح، مزمنة، عسيرة البرء، وحدّدها الأطباء بانتفاخ العروق، ويقول الزهراوى: "قد قلنا إنها عسرة البرء، فإن رأيت منها ما ينقاد للعلاج فاقصد أولاً إلى حسم المادة وتنظيف البدن، إن لم تكن هناك أعراض صعبة يخاف منها التلف، بأن يسهله بالأدوية التي فيها القبض كالأهليلج الأصفر والكائلي والهندي والبلبلج والأملج، وما أشبه ذلك، ويجتنب الإسهال بالأدوية الحارة كالصبر والسقمونيا والفرينون والمازريون وشحم الحنظل والشرم ونحوها. أما انقلاب الرحم فيكون إما من جرح تقدم أو من روم حار قد صلب وتحجر، وعلاجه: أن تجلس المرأة في ماء قد طبخ فيه حلباء وخطمى وإكليل الملك والبابونج، أو في الماء والزيت المضروبين، ويضمد الرحم بالفرازج الملينة، فإن أدمنت هذه العلة فينبغي أن تنجز بالرحى العطرية من أسفل ويتحمل في القبل صوفة قد غمست في الزوفاء الرطب، والنطرون وعلل البطم.

وعلاجه أيضا: أن تجلس المرأة في ماء الأدوية الملينة، ويدخل في الرحم من مرهم الشحوم، ثم يُدْخِل «الطبيب» الإصبع ورده عن الجهة التي مال إليها. وكذلك علاجه: أن يضع محجمة بنار حداً عند الميلان، ثم تجلس المرأة في شراب قد طبخ فيه أدوية قابضة".
وتضمن المخطوط علاجاً للإسهال، فقال: "وعلاج الإسهال من قِبل انصباب المِرَّة السوداء إلى المعدة فصدُ الباسليق إن لم يمنع مانع وكان الامتلاء ظاهراً، ووضع المحاجم بالنار على الطحال، ومداومة سفوف الأفتيمون، ثم الإسهال بطبيخ الأفتيمون، والمبادرة إلى حشو شيء دسم لتقاوم به الحموضة".

ما لا تعرفه عن الزهراوي، أنه لم يكن يجري أي عمل جراحي إلا تحت الإنارة الجيدة لوضوح الرؤية في ساحة العمل الجراحي، وكان يوصي باستخدام ضوء الشمس المباشر، ومن ذلك قوله، في الفصل الثامن عشر من الباب الثاني: "وليكن عملك نصف النهار بإزاء الشمس"، وكذلك في الفصل الخامس والثلاثين، "العمل فبه أن تفتح فم العليل بإزاء الشمس"، جاء ذلك بحسب ما ذكر كتاب. الزهراوي في الطب لعمل الجراحين، تحقيق الدكتور محمد ياسر زكور.

علاج ورم ثدي الرجال
قد ينتفخ ثدي بعض الناس عند مبلغ الحلم حتى يشبه ثدي النساء، فيبقى ورماً قبيحاً، "فمن كره ذلك فينبغي أن يشق على الثدي بشق هلالي، ثم اسلخ الشحم كله ثم املأ الجرح من الدواء الملحم، ثم اجمع شفتي الجرح بالخياطة وعالجه حتى يبرأ، فإن مال الثدي إلى أسفل واسترخى لعظمه، كما يعرض للنساء، فينبغي أن تشق في جوانبه العليا شقين يشبهان شكلاً هلالياً، يتصل مل واحد منهما بالآخر عند نهايتهما".

اختراعاته
اخترع أبو القاسم الزهراوي المواد اللاصقة الحديثة، والضمادات التي لا تزال تستخدم في جميع مستشفيات العالم، استخدم الخيوط للخياطة الداخلية للجروح، إضافة إلى اختراعه للملقاط لاستخراج الجنين الميت، واخترع جهاز طبي خاصاً يسمى "المكواة" لكيّ الشرايين، واستعمل القطن للسيطرة على النزيف، واخترع الإبرة الجراحية.

والقيمة العلمية في كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» الرسومات التي تمثل أشكال آلات الجراحية، وقد نال الكتاب منزلة رفيعة عند الغرب في القرون الوسطى.

"اليوم السابع"​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى