عاصفة الحزم في ذكراها الخامسة.. أما آن الأوان لتصحيح المسار؟!

عادل المدوري

تحل علينا اليوم السادس والعشرين من مارس الذكرى الخامسة لعاصفة الحزم، التي أطلقتها مملكة الحزم والعزم المملكة العربية السعودية في العام 2015، وانطلقت معها عمليات تحرير اليمن من عبيد إيران، بمشاركة قيادية من دولة الإمارات العربية المتحدة ودول خليجية وعربية أخرى، وتمكنت المقاومة الجنوبية بإسناد ودعم من دولة الإمارات، في غضون أسابيع فقط، من انطلاق العاصفة من تحرير الأراضي الجنوبية وطرد مليشيا الحوثي.

بينما الأراضي الشمالية التي تولت فيها قوات حزب الإصلاح (إخوان اليمن) عمليات التحرير تحت ما يسمى بالجيش الوطني وبإسناد من قائدة التحالف المملكة العربية السعودية، ظلت طوال الخمس السنوات الماضية في مواقعها رابضة مسترخية، وعقدة هدنة طويلة غير معلنة مع الحوثي، بحسب محمد البخيتي، حتى أواخر شهر يناير من العام الحالي 2020 حين تم الاتفاق النهائي بين حزب الإصلاح والحوثي على تقاسم الأدوار فيما بينهم، وتسليم جبهة نهم للحوثي والتحشيد جنوباً بحسب سير الأحداث والمعطيات على الأرض.

فاستيلاء الحوثيين على نهم الواقعة على مشارف العاصمة صنعاء (80 كيلومتراً شرق العاصمة صنعاء) ومن ثم محافظة الجوف بجنودها وعتادها، وربما ستلحقها مأرب خلال الأيام القادمة إذا لم يتم تصحيح مسار الحرب في جبهات التحالف، لم يكن نتيجة فائض قوة لدى الحوثي وإنما بتواطؤ من قبل جنرالات الجيش الوطني هو ما يشي بأن ما حدث للجبهات طبخة كبيرة اشتركت فيها أيادي محلية وإقليمية مغلفة بالتعتيم والفبركات الإعلامية الممنهجة لمخطط كبير يراد منه تسليم الشمال للمليشيات الحوثية والسباق معاً نحو باب المندب وأرض الخيرات وملتقى الطامعين.

من المعيب أن تتهم قيادات الشرعية التحالف العربي بالخذلان وعدم الدعم، بينما قدم الرئيس هادي إلى المملكة وهو لا يحمل غير ثوبه العماني والعمامة ولا زلنا نتذكر لحظة نزوله من الطائرة مستغيثاً بملك الحزم، واستقبلته المملكة وأغاثته وأسست له دولة وجيشا وحكومة وبنكا من الصفر، وأعادت له الشرعية الحياة بعد أن كانت شرعيته تلفظ أنفاسها الأخيرة، وطوال الخمس السنوات من عمر عاصفة الحزم قدمت المملكة والتحالف العربي الدعم المالي والعسكري الكبير من أجل تحرير العاصمة واستعادة الشرعية إلى صنعاء، ولم يكن أمام الجيش الوطني سوى مديرية بني حشيش فقط تفصلهم عن دخول المراكز الإدارية للعاصمة، فلو وصل هذا الدعم العربي الكبير لقيادات عسكرية صادقة لكفى هذا الدعم لتحرير اليمن والصومال وفلسطين وليس صنعاء فقط.

ومايزال الجيش الوطني حتى اليوم يمتلك القدرة ولديه الإمكانيات للتقدم نحو العاصمة، فلو صدقت النوايا والمعارك لتمت عمليات الاقتحام بحكم فارق التسليح والدعم وعامل الطيران الذي لا يمتلكه الطرف الآخر، لكن قوات حزب الإصلاح استغلت الدعم من التحالف لتسجل مجندين مستجدين تابعين للحزب وتركت الكفاءات وأسندت الأمر لغير أهله، ومن ثم انقلبت على الدولة من الداخل بكامل مفاصلها في العام 2016 لصالح حزب الإصلاح، وعينت قيادات للألوية والكتائب من المعلمين والدعاة المؤدلجين وخريجي المعاهد العلمية للإصلاح، أشخاص عديمي الخبرة العسكرية والبعد الوطني تم تمكينهم من قيادة الجيش الوطني، اكتنزوا السلاح لأهداف حزبية خارجة عن أهداف التحالف، فحولوا المعركة من معركة ضد المد الفارسي الحوثي إلى معارك داخلية ضد دولة الإمارات الشريك القيادي بالتحالف وضد أبناء الجنوب رفقاء السلاح ومن حرر 80 % من مساحة اليمن.

كان في جبهة نهم أكثر من عشرة ألوية عسكرية مجهزة بكافة أنواع الأسلحة ومدربة تدريبا عاليا على اقتحام المدن وتمشيطها وتأمينها، وكان الحوثيون في أسوأ حالاتهم العسكرية خصوصاً مع تقدم ألوية العمالقة الجنوبية وقوات والمقاومة التهامية والمقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح في الساحل الغربي، وتلقت مليشيا الحوثي ضربات موجعة أيضا في جبهة الضالع التي يقودها الحزام الأمني والقوات المسلحة الجنوبية، لكن قوات حزب الإصلاح لم ترَ صنعاء ولم تكن هدفاً لها، وكانت البوصلة متجهة نحو آبار النفط في الجنوب.

تركت قوات حزب الإصلاح أماكنها وعدتها وعتادها في نهم والجوف وهربت بمسمى انسحاب تكتيكي بينما لدى الشعب ثمة شعور ينتابه بأن ما جرى لم يكن انسحاباً تكتيكياً في الحقيقة، بل هي خيانة واضحة للتحالف العربي، حيث ذهبت هذه القوات ترمم معنوياتها المهزومة وتجمع شتاتها وتلملم جراحها في شقرة في الجنوب وتستعرض بمناورات عسكرية هزيلة تقام لأول مرة منذ بداية الحرب في اليمن، تتحدث عن استعدادات وساعة الصفر وانتظار التوجيهات من القيادة العليا لحزب الإصلاح، بينما الحوثي يجري المناورات ويتحدث عن ساعة الصـفر على مشارف مأرب، ولم نرَ من قوات حزب الإصلاح مناورات ولا ساعة الصـفر لا في مأرب ولا في نهم والجوف، فقد غزاهم الحوثي بمجموعة أطقم وعليها صبيان في سن المراهقة يرددون الصرخة كما فعلوا عندما اقتحموا صنعاء في 2014، وهربت ألوية حزب الإصلاح تاركة الطرقات مفتوحة أمام صبيان الحوثي يتقدمون مسرعين بشاصاتهم البسيطة إلى نهم والحزم يصولون ويجولون ويشخطون وينخطون وهم يرتدون "الزنة والمعصر والجنبية" ويغنمون مخازن الأسلحة الضخمة، والمعدات العسكرية الحديثة التي سلمها التحالف لقوات الإصلاح من أجل تحرير العاصمة صنعاء.

بعد أن استحوذت قوات حزب الإصلاح طوال الخمس السنوات على المليارات المقدمة من التحالف واستحوذت على السلاح وعلى الإغاثة ودعم المنظمات الإنسانية، وعلى القرار الحكومي وعلى الميزانية العامة للدولة واستحوذت على الإيرادات النفطية والغازية وحولتها إلى مأرب، المركز الإداري للإخوان التي يدعون أنها قد أصبحت سنغافورا، وفي غضون أيام تسقط كل الجبهات والمحافظات في أيدي مليشيا الحوثي وبلا معارك حامية الوطيس، ودون أن يسقط شهيد أو جريح، فهذه انتكاسة كبيرة للتحالف يجب التوقف عندها والتحقيق فيها ومحاسبة المتآمرين وتحويلها إلى جرس إنذار ومنعطف جديد يؤسس فيه التحالف مرحلة جديدة وتحالفات جديدة بديلة من رجال القبائل والقوى الحية الفاعلة على الأرض في الجنوب والشمال.

اليوم في الذكرى الخامسة لعاصفة الحزم آن الأوان لكي نضع التساؤلات التي حيرتنا وحيرت كافة فئات الشعب اليمني، ما الذي حدث في نهم والجوف؟ ومن الذي أصدر أوامر بالانسحاب؟ وكيف استجابت الألوية والكتائب والوحدات وقادتها للأوامر دون أي تفاوض أو اعتراض؟ فالإجابة على هذه التساؤلات ستحافظ على مأرب من السقوط، وعلى بقية المناطق المحررة من تكرار نفس السيناريو، وربما سنستعيد الجوف ونهم مجدداً وسنصل إلى صنعاء، إذا وجدت الإجابات الشافية ووضعت النقاط على الحروف، وعولجت الأسباب الحقيقية وتمت معالجتها بالطرق المناسبة.

فما حدث في جبهة نهم والجوف ليس الأول ولن يكون الأخير، فقد حدث من قبل في حجور وقعطبة وتسبب السكوت عنه من قبل التحالف وعدم إجراء التحقيق والمحاسبة إلى تكرار الانسحابات والتسليم المريب مرة أخرى، ولو استمر السكوت عن ما يحدث لتوالت الانكسارات والهزائم في جبهات التحالف التابعة للجيش الوطني طالما لم يتم إجراء التغيير والهيكلة للجيش، فماذا ينتظر التحالف من جيش يصرح وزير دفاعه المقدشي بأن (70 %) من قوام الجيش أسماء وهمية، وتصريح مثل هذا هو رسالة طمأنة للحوثي يقول لهم تفضلوا فالطريق أمامكم مفروش بالوهم والخيانة، وفي تصريح آخر للوزير نفسه يقول "ليس لدينا نية لدخول صنعاء"، وأعتقد أن مثل هذه التصريحات كافية لإجراء تحقيقات وتغيرات وهيكلة وإسناد الأمر لكفاءات عسكرية بديلة موجودة على الأرض.

ختاما وبمناسبة الذكرى الخامسة لانطلاق عاصفة الحزم، يحق لنا أن نقول أما آن الأوان يا تحالف لوضع حد للمسرحيات الهزلية لحزب الإصلاح وإجراء تصحيح وتغيير كامل وشامل في قيادات الجيش والدولة والأمن؟ فالخطة الخمسية الماضية تسبب قادتها بكوارث على جميع المستويات العسكرية والأمنية والخدماتية، والشعب في الجنوب والشمال يتطلع لخطة خمسية جديدة يطبق فيها اتفاق الرياض ويسودها السلام والعزم والحزم والبناء والتنمية وإعادة الإعمار ومحاربة الفساد وتحرير الشمال، فالشعب في الشمال والجنوب لديه القدرة على تغيير الوضع إذا أصلح الخلل الكامن في رأس قيادة الحكومة الشرعية.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى