بمن فيهم السعودية.. يتمنعون وهم راغبون

 حكومة معين عبدالملك تؤيد دعوة الأمم المتحدة لوقف الحرب باليمن، السعودية تؤيد قبول الحكومة اليمينة الموالية لها بهذه الدعوة، المجلس الانتقالي الجنوبي هو الآخر يدعو لوقف الحرب استجابة للدعوة الأممية، صنعاء تشيد بدعوة الأمم المتحدة، المؤتمر الشعبي العام يعتبرها دعوة بالاتجاه الصحيح لحقن دماء اليمنيين وبداية للتسوية السياسية.

إذاً كل هذه القوى باتت تتطلع إلى وقف الحرب حالاً بعد أن سأمتها وسأمت كارثيتها، واقتنعت أن الحل العسكري بات مستحيلاً وأن الاستمرار بالحرب إلى ما لا نهاية يعني الضياع بعينه، بعد أن ظلت هذه القوى بمن فيها السعودية إلى قبل أشهر تتمنع (لأسباب تخصها) الخوض بالحديث عن وقف الحرب والشروع بالسلام، مع أنها راغبة فيه بشدة. منه تتأفف، وله تتلهف، برغم أن ثمة طفيليات داخل هذه القوى تعمل جاهدةً على كبح أية دعوة لوقف هذه الحرب، لأن مثل هكذا توجه سيعني لها تهديداً صريحاً لمنابع ثرائها المتعاظم، وسيسد مسارب أموالها الغزيرة.

ومع ذلك، فهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا التوافق وهذا الإجماع على وقف الحرب، فدخان عاصفة كورونا كان مناسباً للجميع أن يتخفى تحته ويبوح بما في داخله من كبْت يخجل من الجهر به.
فإلى عهد قريب، كانت مثل هذه الدعوات تعني للسعودية ضربا من المستحيل التجاوب معها، ويوصم كل من يتحدث بها -ولو همساً- بأنه مجوسي حوثي معادي لأرض الحرمين الشريفين ونصير لإيران وأذرعها باليمن ومتآمر على الأمن القومي العربي.

أما فيما يتعلق بموقف الحكومة اليمنية في الرياض من مثل هذه الدعوات، فهو موقف ثانوي، كونه شكل دائماً ظلاً للجسد السعودي ورجْع صدى لصوته، لا يمكن الأخذ به أو التعويل عليه بالمطلق بصرف النظر أكان رافضاً أو موافقاً، ومع ذلك فلا بأس أن نعتبره قوة دفع إضافية نحو السلام.

الجديد بالأمر هو موقف المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ظل يرفض كل دعوة لوقف الحرب ويعتبرها هو الآخر خيانةً للعروبة، وظل يتبنّى فكرة الوصول إلى صنعاء والحديدة ولو طال السفر، وكان يتبرم من كل دعوة لوقف الحرب سواء أكانت دعوة داخلية أم خارجية، ويعتبرها استهدافاً للتحالف العربي وخيانة لتضحياته العروبية، في تماهٍ واضح مع الخطاب الأناني للتحالف. ولكنه، أي الانتقالي، في موقفه اليوم المؤيد لوقف هذه الحرب والدعوة صوب الحل السياسي يضيف مؤشراً جديداً على أنه قد بدأ يخرج شيئاً فشيئاً من العباءة الخليجية ويمزق شرنقة الاحتواء إلى رحاب الاستقلالية والقبض بزمام القرار، خصوصاً حين رأى من الموقف السعودي العجب العجاب، وما أثبت له هذا الموقف قولاً وفعلاً أنه أمام شريك لا يمكن أن يؤمن جانبه أبداً، أو الوثوق به والتحالف معه على المدى البعيد أو حتى على المدى المنظور، والأحداث الأخيرة التي جرت في عدن وأبين خير شاهد على ذلك، وعلى صحة مطالبنا المستمرة منذ الشهور الأولى للحرب بضرورة مراجعة علاقة الطرف الجنوبي بالتحالف وإعادة الخطاب الجنوبي إلى الواجهة بعد حالة الموات السياسي التي اعترته، وضرورة عدم الانسياق الأعمى خلف التحالف والشرعية اللذين كادا يبتلعان القضية الجنوبية ويمسخان ثورتها "الحراك الجنوبي" نظير فتات المكاسب، فمن أضاع اسمه أضاع قسمه.

خلاصة: الكل في الشمال والجنوب مع وقف الحرب، ولكنهم لا يعرفون بالضبط كيف يوقفونها، وهل قرار وقفها بيدهم حصراً أم بيد الدول الإقليمية فقط، أو بيدها وبيد القوى العظمى؟ ولا ماذا سيكون مصيرهم بعد هذه الحرب، فكلما يعرفه هؤلاء اليمنيون شمالاً وجنوباً أن السعودية قد تعاملت معهم كتعامل سائق سيارة مسروقة، فلا هو حريصٌ عليها ولا على سلامة من فيها. يعرفون ونعرف معهم أن هذه الحرب باتت مشكلة لهم وليست حلاً لمشاكلهم، باتت عبئاً على الجميع باستثناء الطفيليات المحلية، وشركات السلاح العالمية التي وجدتْ بهذه الحرب سوقاً مزدهرة لبضاعتها النارية، وأن الحل السلمي هو ضالة المتضررين والأنقياء المنشودة، والذي يجب أن تضرب إليه أكباد الإبل.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى