من أهم: صحة الرئيس أم صحة الوطن؟

مصطفى نعمان

بداية أنا أتمنى صادقا ألا يصيب الرئيس هادي أي مكروه رغم أن الأعمار بيد الله، وأدعو له بالصحة مع أسرته في قصره المريح بالرياض، لكن المؤسف حقا أن الحديث الذي يتسرب عمداً عن تدهور صحة الرئيس لم يعد أمراً مهما لليمنيين ولا يشكل همًا وطنيًا ولا انزعاجا، وهي حالة طبيعية لأنهم لا يعرفونه ولا يرونه ولا يسمعونه إلا عند قراءة أو سماع اسمه مقرونًا بقرارات التعيينات وصرف المساعدات، وهو وضع مستقبل البلاد في كفة ومستقبله وأسرته في الكفة الثانية، وليس هذا مستغربا في الجمهوريات العربية التي تبدأ بياناتها الأولى بالحديث عن مساوئ الأنظمة الوراثية، فينتهي الحكم فيها برئيس وأنجال وأبناء قريته الأقربين.

ليس سرا في اليمن اليوم أن الحكم الحقيقي ومفاتيحه تم اختزالها في حلقة عائلية ومدير مكتب، أما نائب الرئيس ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب والوزراء فلا يختلفون في أدوارهم عن بقية الموظفين إلا من حيث الراتب والتغطية الإعلامية والموكب الرسمي والأجنحة الفاخرة.. وقد يحاجج البعض أن هذا من مخلفات النظام السابق الذي كان الرئيس ونائبه ورئيس مجلس النواب من ضمنها، وهذا صحيح لكنه لا يعني التبرير والدفاع السطحي ولا أن نتغاضى ونصمت ونتجاوز.

الفارق الجوهري بين هادي وصالح هو أن الأخير مع كل أخطائه ومترتبات فساد حكمه كان حاضرا يقضا متابعا وقريبا من الناس، أما الأول فقد جاء صدفة إلى سدة الحكم فخذل الناس وخذل نفسه، وغاب عن المشهد السياسي إلا في فترات قصيرة نادرة لم يقدم فيها ما يذكره الناس به.

منذ بدايات وصوله المفاجئ للحكم لم يتصرف الرئيس هادي كمن سيترك منصبا قال هو عنه في اجتماع للمؤتمر الشعبي إنه أكبر من قدراته وخاصة بعد صالح، لكن الأمر سار على غير ما قال وربما تمنى، فاستهوته أضواء الرئاسة وأخرجته من الظل الذي عايشه منذ 1986 وانبهر بأن صار الرؤساء والملوك يستقبلونه ويأخذ الصور التذكارية معهم، ويوقع القرارات ويصدر التوجيهات ويصرف المساعدات، والأهم ان صارت أسرته، بعد عقود من التجاهل، مركز قوة ونفوذ كما فعلت أسرة صالح وأبناء قريته.

لم ينتج حكم هادي إلا مجموعة من الوثائق النظرية التي كان كثيرون يظنون أنها ستشكل أساسا لتغيير إيجابي حقيقي، ولكن هؤلاء لم يفطنوا أن الأصل في الأحداث الكبرى هو وجود قائد مقنع للناس يتواجد معهم وبينهم ليسيرون خلفه، أما النظريات والدساتير فلا قيمة لها في حياة المواطنين بدون وجود سلطة قادرة نزيهة ومؤمنة بقضايا الوطن والمواطن تطبقها وتجاهد لتنفيذ نصوصها الجميلة.

استطاع هادي أن "يعجن" البلاد بكل مؤسساتها وصار موظفوه يسعون لاسترضائه، حفاظا على لقمة العيش التي يلقيها لهم ويهددهم بحجبها، وحين يتحول الرئيس إلى أمين صندوق فمن اليقين أن موظفيه سيتجنبون إغضابه.

منذ أحداث حجور وطرد الحكومة من عدن مرات عدة، ثم سقوط الجوف والاقتراب من مأرب، ثم إعلان الإدارة الذاتية في عدن، لم يفعل الرئيس شيئا ولم يتحدث إلى المواطنين ولم يظهر على الناس.. فكيف سيقتنع المواطنون بأنه موجود ويهتم بهم وينزعج للمآسي والكوارث التي حلت بالبلاد منذ صار رئيسا بسبب سوء إدارته.

كثيرا ما يطرح علي: ما هو الحل؟

وجوابي هو أن يجتمع كل كبار موظفي هادي على كلمة واحدة ليقفوا معترضين على تصرفات دائرته العائلية ومكتبه الذي اغتصب كل أعمال الدولة، وهذا كلام قلته للعديد من كبار الموظفين الذين تسببوا بهذا منذ اليوم الأول لحكم هادي حين قبلوا تصرفاته وقراراته دون نقاش وفعلوا ذلك لأنهم كانوا يريدون فقط طي صفحة صالح على استعجال بغير نزاهة ولا حسابات متأنية ولا كفاءة حكم تعينهم.

والمشكلة أن هذا الطريق سيفقدهم مرتباتهم ومصالحهم ومناصبهم وطرد أبنائهم وأقاربهم من الوظائف التي وهبها لهم هادي دون حق، وهو خوف أصابهم بالعجز المهين أمامه فصاروا يخشون غضبه وهو أدرك ذلك فأذلهم.

صحة هادي تهم أسرته والمستفيدين منه ولا تهم المواطن، وإذا ما راجع هادي وأسرته أحداث التاريخ فلعلهم يدركون أن الوطن أهم منهم وأطول عمرا.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى